للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

منهما صالح لأن يراد، فإن البناء يكون بالأيد الذى هو" القوة" وبالأيدى التى هى جمع" يد" ثم لو كان أحدهما قريبا، فهذه ليست كلمة واحدة لها معنيان، بل كلمتان، فإن الأيد كلمة غير الأيدى، فتقرر أن التورية ليست باعتبار الأيد والأيدى بل باعتبار إطلاق الأيدى وإرادة القوى، فإن أراد المصنف بذكره" القوة" أن" الأيد" فى الآية مفردة فلا مجاز فيه، لأن القوة مرادة الحقيقة فى الآية، ولا تورية لعدم قرب أحد المعنيين من جهة وضع اللفظ، وإن أراد جمع" يد" بمعنى القوة، كما فهموه عنه، صح أنها تورية مرشحة واستعارة مرشحة، لكن لا نسلم أن المراد بقوله تعالى: بِأَيْدٍ ذلك، بل المراد" القوة" وإذا كان الأيد القوة، فما الضرورة إلى تأويل بأيد على الأيدى المتجوز بها عن القوة، وقد جزم الزمخشرى، وغيره: بأن المراد فى الآية" الأيد المفرد" وهو" القوة"؟

واعلم أن التورية المرشحة، هى نوع من الاستعارة المرشحة فى الأصل، والتورية المجردة يدخل فيها

الاستعارتان: المجردة والمطلقة، والفرق بين الاستعارة المرشحة والتورية المرشحة، هو أن مع الاستعارة قرينة تصرف اللفظ لها وتجعل المعنى البعيد قريبا، والتورية ليست كذلك، والغالب عليها الترشيح بما يبعد إرادة المجاز، ولذلك سميت تورية وإيهاما.

قال المصنف: وقد يكون الترشيح بعد التورية، كقول القاضى عياض:

كأنّ كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموز أنواعا من الحلل

أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرق بين الجدى والحمل (١)

وكأنه نظر إلى لفظ الغزالة، وجعل ترشيحه الجدى، وهو بعده. وابن مالك نظر إلى لفظ الجدى والحمل، وجعله تورية مرشحة بما قبلها وهو الغزالة، وقال: إن لفظ الغزالة تورية مجردة وإنه ليس قبله ولا بعده شئ من لوازم المورى به، وقال ابن النحوية: هما توريتان مجردتان ليست إحداهما ترشيحا للأخرى؛ لأن شرط المرشح به بأن يكون صريحا، وكل من الغزالة والجدى والحمل مشتركان، ثم قال المصنف: التوهم ضربان ضرب يستحكم حتى يصير اعتقادا كقوله:

حملناهما طرّا على الدهم بعد ما ... جعلنا عليهم بالطّعان ملابسا (٢)


(١) الأبيات لأبى الفضل عياض فى صيفية باردة فى كتاب المصباح ص ٢٦٠، وكتاب الإيضاح ص ٣١٢.
(٢) البيت بلا نسبة فى المصباح ص ٢٦١.

<<  <  ج: ص:  >  >>