للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وعليه أيضا قوله تعالى: تلتقطه {بَعْضُ السَّيّارَةِ}، لّما كان ذلك البعض سيارة فى المعنى.

وحكى الأصمعى عن أبى عمرو قال: سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لغوب، جاءته كتابى فاحتقرها، قال: فقلت له: أتقول جاءته كتابى؟ فقال: نعم، أليس بصحيفة؟ فلا تعجب إلا من هذا الأعرابى الجافى وهو يعلل هذا التعليل فى تأنيث المذكر، وليس فى شعر منظوم فيحتمل ذلك له، إنما هو فى كلام منثور، فكذلك يكون تأنيث الإيمان. ألا تراه طاعة فى المعنى؟ فكأنه قال: لا تنفع نفسا طاعتها. والشواهد كثيرة، لكن الطريق التى نحن عليها مختصرة قليلة قصيرة.

***

{الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} (١٥٩) ومن ذلك قراءة النخعى وأبى صالح مولى ابن هانئ، ويروى أيضا عن الأعمش ويحيى: «الّذين فرقوا دينهم»، بالتخفيف.

قال أبو الفتح: أما «فرقوا» بالتخفيف فتأويله أنهم مازوه عن غيره من سائر الأديان، هذا ظاهر «فرقوا» بالتخفيف. وقد يحتمل أن يكون معناه معنى القراءة بالتثقيل، أى فرّقوه وعضّوه أعضاء، فخالفوا بين بعضه وبعض، وذلك أن فعل بالتخفيف يكون فيها معنى التثقيل.

ووجه هذا أن الفعل عندنا موضوع على اغتراق جنسه، ألا ترى أنّ معنى «قام زيد»:

كان منه القيام، و «قعد»: كان منه القعود؟ والقيام-كما نعلم-والقعود جنسان، فالفعل إذا على اغتراق جنسه، يدل على ذلك عمله فى جميع أجزاء ذلك الجنس من مفرده ومثناه ومجموعه، ونكرته ومعرفته، وما كان فى معناه. وذلك قوله: قمت قومة وقومتين وألف قومة، وقمت قياما وقياما طويلا، وجلست جلوسا وجلوسا قصيرا، وقمت القيام الذى تعلم. وقال:

لعمرى لقد أحببتك الحبّ كلّه …

<<  <  ج: ص:  >  >>