للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أنشأها التجار وغزاها الغنى التجاري، فانصرفت عناية حكامها إلى الاهتمام بتنشيط التجارة، وإنشاء محطات للقوافل ومراكز تؤمن انسياب تجارتها في كل السبل، من أهمها: معان في شمال خليج العقبة وقريبًا منه، ومنها البتراء عاصمة الأنباط كما يقول المؤرخ اليوناني "سترابون".

ويظهر أن نفوذ معين التجاري قد امتد حتى خليج البصرة، وإلى جنوب سورية، وحتى الحوض الشرقي للبحر المتوسط بواسطة مدينة غزة التي قيل: إنها كانت أحد المراكز لتصريف التجارة المعينية، ويحتمل أن المعينيين كانوا يفرضون رسومًا جمركية على التي تمر ببلادهم، إضافة إلى ذلك وجد المستشرق "غلازر" أن يثيل كانت مدينة صناعية، فقد عثر في مساحات منها على آثار تشهد بأنها كانت أماكن للصناعة.

تعاقب على معين عدد من الملوك يصعب معرفة تسلسلهم وتاريخ حكم كل منهم؛ لأن النقوش الكتابية المكتشفة لا تحمل من التواريخ ما يصح الاعتماد عليه، لأنها لا تؤرخ بحوادث معروفة, لكنه قد اتضح منها أسماء ٢٦ ملكًا منهم، ويعتقد أنهم كانوا أكثر من ذلك. وكان هؤلاء يلقبون في صدر الدولة بلقب "مزواد" أو "مزود" وهو لقب يتضمن معنى الكهانة فضلًا عن الحكم السياسي. فإذا قيل مثلا: مزود معين، فمعنى ذلك كاهنها وحاكمها، وذلك قبل أن يستقل الملك بالحكم السياسي ويترك لغيره الكهانة. وقد اتضح من دراسة للمستشرق "موللر" أن نظام الحكم كان ملكيا مقيدا ووراثيا بحيث يرث الابن أباه. ويشارك الملك في الحكم مجلس استشاري يتمتع بسلطات واسعة. ويبدو أن حكومة معين كانت تتبع النظام اللامركزي في الحكم؛ إذ كانت كل مدينة من مدنها تتمتع باستقلالها الداخلي، لها آلهتها وهيئاتها الدينية، وحكومتها التي يرأسها ممثل للملك يحمل لقب "كبر" "أي كبير". كما كان لها مجالسها المحلية التي تحكم بين الناس، وتتألف من أشراف المدينة "مسود"١ والمجتمع المعيني مجتمع قائم على نظام الطبقات، والمعينيون قوم متدينون على العموم، يعيرون الدين أهمية كبيرة، وللمرأة مكانة محترمة في المجتمع وتتمتع بحرية واسعة.

أما اللغة التي تكلمها المعينيون فكثيرة الشبه باللغة الحميرية والسبئية، الحروف


١ د. جواد علي: ١/ ٤٠٥، عرفت مثل هذه المجالس في مملكة سبأ باسم "مشود".

<<  <   >  >>