للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبهذا ظهر: أن التشبيه أعمّ محلّا، ...

ــ

حسن التشبيه، أى الجهات المقتضية لحسن التشبيه المذكور فى بابه، فإن الاستعارة تشبيه معنوى مثل كون وجه الشبه كثير التفصيل، وكون حصول المشبه نادرا ونحوه، وجعل منه الخطيبى كون وجه الشبه فى المشبه به أتم وفيه نظر؛ لأنه إذا كان كذلك، يأتى بالتشبيه لا بالاستعارة، بل ينبغى أن يعكس فيقول: ويأتى بتساوى الطرفين حتى يأتى بالتشبيه، وأن لا، أى وحسنها أيضا بأن لا يشم رائحته، أى التشبيه لفظا، ولذلك أى ولأجل أن من شرط حسنها أن لا يشم رائحة التشبيه - يوصى، أى يوصى العلماء أن يكون التشبيه بين الطرفين جليا، وذلك إما بنفسه، أو بكونه مشهورا نسبته إلى المشبه به، كالشجاعة للأسد، حتى إذا كان مشهورا لا يحتاج إلى ذكر شئ يدل على التشبيه، فحينئذ يضعف التشبيه ويبطل حسنه، لئلا أى إن لم يكن وجه الشبه جليا، فإن الاستعارة تصير ألغازا، كذا قالوه. ولقائل أن يقول: وماذا يصير إذ صار ألغازا؟ ولا شك أن الألغاز من أنواع البديع المستحسنة، وله مواقع لا يصلح فيها غيره، إنما هو له مواضع لا يستعمل فيها، والمجاز كيف (١) وقع لا بد له من قرينة فربما كان الألغاز بالمجاز مع قرينة ضعيفة، أما دون القرينة فلا يقع استعارة ولا مجازا، وقولهم ذلك - وإن كان من مقاصد الأدباء - فالمقصود من الاستعارة خلافه ممنوع؛ بل كل من الألغاز وغيره يكون تارة بالحقيقة وتارة بالاستعارة، فليحمل ذلك على ما إذا لم يقصد التعميم، ومثال غير الجلى أن نقول:" رأيت أسدا" تريد إنسانا أبخر أو تقول:" رأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة" تريد" الناس"، بل حق مثل ذلك أن تأتى بالتشبيه كما قال صلّى الله عليه وسلّم" الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة" (٢) وكذلك تشبيهه صلّى الله عليه وسلّم" المؤمن بالنخلة" (٣) والخامة، فإن قلت:" رأيت نخلة" أو" خامة" كنت كما قال سيبويه ملغزا تاركا لكلام الناس، نقله الإمام فخر الدين والزنجانى وزاد الزنجانى" وكان تكليفا بعلم الغيب" بل حق مثل ذلك أن يؤتى بالتشبيه كما قال صلّى الله عليه وسلّم:" الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة" (وبهذا) أى بكون التشبيه قد يكون بالجلى وغيره والاستعارة لا تكون

إلا بالجلى (ظهر أن التشبيه أعم محلا من الاستعارة والتمثيل) فمتى وجد محل الاستعارة وجد محل التشبيه من غير عكس، كذا قالوه، وفيه نظر، فإن الذى ظهر مما سبق


(١) قوله: والمجاز كيف وقع، المعنى أى أين وقع.
(٢) أخرجه البخارى فى" الرقاق"، (١١/ ٣٤١)، (ح ٦٤٩٨)، ومسلم (ح ٢٥٤٧).
(٣) أخرجه البخارى فى" العلم"، و" الأدب" (١٠/ ٥٤٠)، (ح ٦١٢٢)، ومسلم (ح ٢٨١١).

<<  <  ج: ص:  >  >>