للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وقيل: السّجع غير مختصّ بالنثر، ومثاله فى النّظم قوله [من الطويل]:

تجلّى به رشدى وأثرت به يدى ... وفاض به ثمدى وأورى به زندى

ــ

كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ (١) وأما اجتناب أسجاع، فلأن أصله من سجع الطير فيشرف القرآن الكريم عن أن يستعار لشئ فيه لفظ هو فى أصل وضعه للطائر، ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث فى اسم السجع الذى يقع فى كلام آحاد الناس، ولأن القرآن صفة الله - تعالى - ولم يجز وصفها بصفة لم يرد الإذن بها، كما لا يجوز ذلك فى حقه - عز وجل - وإن صح المعنى على أن الخفاجى قال فى سر الفصاحة: إنه لا مانع فى الشرع أن يسمى ما فى القرآن سجعا. ونحن لا نوافقه على ذلك، وليس الخفاجى ممن يرجع إليه فى الشرعيات. قال الخفاجى - أيضا -: السجع الذى يقصد فى نفسه، ثم يحمل المعنى عليه، والفواصل هى التى تتبع المعانى غير مقصودة فى نفسها. قال: ولهذا سميت رءوس الآيات فواصل ولم تسم أسجاعا، ونقل عن الرمانى:

أن الفواصل بلاغة والأسجاع عيب. قال: وليس بصحيح، ثم قال: الفواصل ضربان:

ضرب يكون سجعا، وهو ما تماثلت حروفه فى المقاطع، مثل: وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) وضرب لا يكون سجعا، وهو ما تقاربت حروفه فى المقاطع ولم تتماثل.

وحكى القاضى أبو بكر فى كتاب الانتصار، خلافا فى تسمية الفواصل سجعا، ورجح أنها تسمى بذلك، وقوله: (وقيل: السجع إلخ) يريد أن ما سبق من تعريف السجع يقتضى أن السجع لا يكون إلا نثرا، وقال بعضهم: السجع قد يكون فى النظم وإليه الإشارة بقوله: (وقيل: السجع غير مختص بالنثر) وهى عبارة مقلوبة، والصواب أن يقول: (النثر غير مختص بالسجع) لأن اختصاص السجع بالنثر أن لا يكون شئ من النثر إلا مسجعا، وهذا لا يقوله أحد، واختصاص النثر بالسجع أن لا يكون السجع إلا نثرا، وهو المقصود، وقد مثل للسجع الواقع فى النظم بقوله، أى قول أبى تمام:

تجلى به رشدى وأثرت به يدى ... وفاض به ثمدى وأورى به زندى (٣)


(١) سورة فصلت: ٣.
(٢) سورة الطور: ١، ٢.
(٣) البيت من الطويل، وهو لأبى تمام فى شرح ديوانه (ص ١١١)، والمصباح (ص ١٦٩)، والإشارات (ص ٣٠١)، وشرح عقود الجمان (٢/ ١٦١)، والعمدة لابن رشيق (٢/ ٢٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>