للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والقبائل العربية المشتركة. وكانت النصرانية قد فقدت روحها وأضاعت تعاليمها وانقسمت إلى فرق عديدة، ومنشأ الخلاف عقيدتهم في المسيح (عليه السلام) فأكثرهم يعتقد بالأقانيم الثلاثة (الأب والابن وروح القدس) واتحاد اللاهوت والناسوت في المسيح، وبعضهم يرى أن له طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية وهم اليعاقبة (المنوفستية) في الشام ومصر، وقد عقدوا لذلك المؤتمرات، وحاول هرقل التأليف بين الفرق الدينية حفاظا على الإمبراطورية الرومانية دون جدوى، وقد أوقعت الإمبراطورية الاضطهاد بسكان الشام ومصر اليعاقبة (المنوفستية) مما أدى إلى نفي بعض كبار رجال الدين من مصر وفرار بعضهم الآخر.

ولم يقتصر الفساد على النواحي العقيدية بل امتد إلى سائر جوانب الحياة، فالظلم والاستبداد، وكثرة الضرائب وثقلها على الشعوب، والروح الطبقية التي تجعل الناس متفاوتين في المكانة بحكم المولد والانتماء للطبقة، كل ذلك كان يعشعش على البلاد، حتى إنه لم تعد ثمة فروق أساسية بين حياة النصارى والمشركين، وقد أمر الله تعالى المسلمين بجهاد أهل الكتاب كما أمرهم بجهاد المشركين، ولكنه وافق على احتفاظهم بدينهم إذا خضعوا سياسياً للمسلمين وأدوا إليهم الجزية، خلافاً لعبدة الأوثان فإنه لم يقبل منهم الجزية بل لا بد لهم من الدخول في الإسلام إذا أرادوا الأمن من القتال {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (١).

وبذلك دخل المسلمون مرحلة جديدة بعض قضائهم على الوثنية في جزيرة العرب، وإجلائهم أهل الكتاب من يهود إلى قتال أهل الكتاب من النصارى (٢).


(١) سورة التوبة.
(٢) تفسير الطبري ١١/ ٧٢، حيث يوضح ذلك تفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي المتوفي ١٨٢ هـ وهو مفسر كبير لكنه ضعيف عند المحدثين (تقريب ١/ ٤٨٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>