للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(افعل كذا) وهو يقصد المعنى الظاهري لهذه الكلمة، وقد يستخدم نفس الكلمة ويقصد بها التهديد، الذي يستطيع اكتشافه من خلال القرائن، وهنا ينقلب معنى (افعل) إلى معنى مناقض تماماً هو (لا تفعل)! ، وهذا هو بالضبط ما ينطبق على القرآن الكريم، فقد يستخدم القرآن صيغة الأمر ويقصد بها مدلولها الظاهري، عندما يقول: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: ٧٨]، وقد يقصد بها الإباحة عندما يقول: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} {المائدة: ٢}، عقيب الحظر في قوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ] {المائدة: ٩٥}، وقد يقصد التهديد عندما يقول: {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} [الزُّمر: ١٥]، وقد يقصد التعجيز والتحدي عندما يقول: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: ٢٣]، أو عندما يقول على لسان نبي الله هود -صلى الله عليه وسلم- مخاطباً قومه الكافرين: {مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} [هود: ٥٥]، وقد يقصد الاستهزاء عندما يقول الله تعالى في خطابة لبعض أهل جهنم: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ} [الدُخان: ٤٩]، وهكذا وهلم جراً (١).

٤ - إثراء المعاني للألفاظ والجمل التي ظاهرها التماثل والتشابه.

وتعنى بهذا كتب البلاغة التي تعنى بمقتضيات الأحوال وأسرار التراكيب ومثال ذلك ورود اليأس في القرآن الكريم بمعنى: الإحباط، والقنوط، وعدم الرجاء، مثل قوله تعالى: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا القَوْمُ الكَافِرُونَ} [{يوسف: ٨٧]، أي: لا يقنط من رحمة الله ... وقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللهِ وَلِقَاءِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [العنكبوت: ٢٣]، وقوله: [لَا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} [فصِّلت: ٤٩]، لكنه قد وردت آية فيها اليأس بمعنى العلم على لهجةٍ من لهجات العرب، دل عليها سياق النص، وذلك في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} [الرعد: ٣١]، ومعناها: أفلم يعلم (٢)، فدل ذلك على أهمية معرفة سياق النص، ولهجات العرب، لتفسير كتاب الله تعالى.

[خاتمة التمهيد]

إن النص القرآني ينأى عن النص البشري بكل أجناسه، فهو فمعجزة، ثابتة الألفاظ متحركة المعاني تصلح لكل متلقٍ في كل زمان ومكان، تحمل دلالات بعضها فوق طاقة العقل الإنساني واستيعابه، أقبل العلماء على هذا الكتاب المجيد مشغوفين بكل ما يتعلق به: حتى أحصوا عدد آياته وحروفه، وعدد ألفاظه المعجمة والمهملة، وأطول كلمة فيه وأقصرها، وأكثر


(١) الإيضاح في علوم البلاغة، جلال الدين أبو عبدالله محمد بن سعدالدين بن عمر القزويني ص ٤٩، دار إحياء العلوم - بيروت، ط/ الرابعة ١٩٩٨ م.
(٢) أثر الدرس اللغوي: ١٣، بتصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>