للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صلح «الحديبية» فى السنة السادسة من الهجرة، فيكون نزول سورة «المائدة» فيما بين صلح «الحديبية» وغزوة «تبوك».

والظاهر أن سورة المائدة لم تنزل دفعة واحدة في وقت معين أو في زمان معين، وإنما نزل بعضها في السنوات التي سبقت صلح الحديبية، ونزل معظمها بعد هذا الوقت، وأن الروايات التي تقول بنزولها دفعة واحدة أو في وقت معين وزمان معين من الممكن أن تحمل على أن المراد بها مجموع السورة لا جميعها (١). والله أعلم.

[أغراض السورة ومقاصدها]

وفيما يأتي مجمل ما اشتملت عليه سورة النساء:

اولا: - تعد سورةالمائدة أجمع سورة في القرآن لفروع الشرائع من التحليل والتحريم، والأمر والنهي حيث تضمنت بيان تمام الشرائع، ومكملات الدين، والوفاء بعهود الرسل، وما أُخذ على الأمة، وبها تم الدين، فهي سورة التكميل؛ لأن فيها تحريم الصيد على المحرم الذي هو من تمام الإحرام، وتحريم الخمر الذي هو من تمام حفظ العقل والدين، وعقوبة المعتدين من السُّراق والمحاربين الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال، وإحلال الطيبات الذي هو من تمام عبادة الله تعالى، ولهذا ذُكر فيها ما يختص بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ كالوضوء والتيمم، والحكم بالقرآن على كل دين، ولهذا كثر فيها لفظ الإكمال والإتمام، وذكر فيها أن من ارتد عوض الله بخير منه، ولا يزال هذا الدين كاملا.

الثاني: - تطرقت السورة أيضا إلى جوانب العقيدة وقصص أهل الكتاب، وتناولت أحكام العقود، والذبائح، والصيد، والإحرام، ونكاح الكتابيات، والردة، وأحكام الطهارة، وحد السرقة، والبغي، والإفساد في الأرض، وتحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وكفارة اليمين، وحكم من ترك تحكيم شريعة الله تعالى، والوصية عند الموت، وغير ذلك من الأحكام والتشريعات.

والثالث: - تضمنت السورة قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل في دخول بيت المقدس وردهم القبيح ومفارقة موسى عليه السلام لهم، وفيها أيضاً قصة ابني آدم «قابيل وهابيل»، وهي تعرض نموذجين من نماذج البشر: نموذج النفس الشريرة الأثيمة، ونموذج النفس الخيِّرة الكريمة.

وتطرقت السورة لقصة المائدة التي كانت من معجزات عيسى عليه السلام.

والرابع: - ختمت السورة بالموقف الرهيب يوم الحشر حيث يُدعى المسيح عيسى عليه السلام رؤوس الأشهاد، ويسأله ربه تبكيتاً للنصارى الذين عبدوه من دون الله تعالى، ويا له من موقف مخزٍ لأعداء الله تشيب لهوله الرؤوس، وتتفطر من فزعه النفوس!

[وجوه المناسبة بين سورة النساء والتي قبلها]

ومن وجوه المناسبة بين هذه السورة وبين سورة "آل عمران" التي قبلها (٢):

أولا: - لما كانت سورة النساء مشتملة على عدة عقود، بدأت سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود.

ثانيا: -اتحدت سورة النساء والمائدة في تقرير الفروع الحكمية.

ثالثا: - مهدت سورة النساء لتحريم الخمر، وحرمته سورة المائدة البتة.

رابعا: - بدأت سورة النساء ببدء الخلق، وختمت سورة المائدة بالانتهاء من البعث والجزاء.


(١) انظر: التفسير الوسيط، للطنطاوي: ٤/ ١٠.
(٢) انظر: روح المعاني: ٣/ ٢٢٢.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٧٦١٦)، وقال عنه الأرنؤوط: "حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم وشهر بن حوشب"، والطبري (١١١٠٧): ٩/ ٥٢٩، والطبراني (٤٤٩): ص ٢٤/ ١٢٨، والبيهقي في الشعب (٢٤٣٠): ص ٢/ ٤٦٩، وكذلك أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (٧|١٣)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور: ٣/ ٣، إلى عبد بن حميد، ومحمد بن نصر في الصلاة، وابي نعيم في الحلية.
والحديث إسناده فيه ليث بن أبي سليم، قال الحافظ عنه: "صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك، وقال أحمد: مضطرب الحديث ولكن حدث عنه الناس". انظر: الميزان: ٤/ ٣٤٠. وقال بحبى بن معين: "ليس حديثه بذاك ضعيف، وقال أبو زرعة: ليث لا يشتغل به، وهو مضطرب الحديث". انظر: الجرح والتعديل: ٧/ ١٧٧.
وفيه ايضا شهر بن حوشب: صديق كثير الإرسال والاوهام، كما قال الحافظ في التقريب: ٢٦٩، وقال ابن معين: ثقة، وقال النسائي وابن عدي: ليس بالقوي، وقال البخاري: شهر حسن الحديث، وقوي أمره. انظر: الميزان: ٢/ ٤٧٤، وقال أبو حاتم: " لايحتج بحديثه، وقال أبو زرعة: لا بأس به. انظر: الجرح والتعديل: ٤/ ٣٨٢.
والحديث له شواهد منها: ما اخرجه البيهقي في الدلائل عن أم عمرو بنت عبس عن عمتها، باب (ذكر السور التي نزلت بمكة والتي نزلت بالمدينة): ص ٧/ ١٤٥، وما اخرجه أبو عبيد في فضائله، باب (المائدة والأنعام): ص ١٢٨، عن محمد بن كعب القرظي مرسلا، والطبري في تفسيره (١١١٠٦): ص ٩/ ٥٢٨، عن الربيع بن انس، وبجموع هذه الشواهد يقوي الحديث ويرفعه إلى درجة الحسن لغيره.

<<  <  ج: ص:  >  >>