للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الشهوات والدوافع والعواطف المتباينة، وقد قال فيها ابن الجوزي: "رأيت ميل النفس إلى الشهوات زائدًا في المقدار حتى إنها إذا مالت مالت بالقلب والعقل والذهن" (١).

ومن هنا وجب معرفة ما يصلحها ويهذبها بطريقة تتناسب مع وظيفة الإِنسان الأساسية في الحياة وهي عمارة الأرض بحيث لا تطمس الشهواتَ قلبه وعقله عن إدراك الغاية من وجوده في الحياة .. وهي العبودية المطلقة لله تعالى بجميع مستوياتها، وفي الوقت نفسه يستمتع الإِنسان بطيبات الحياة الدنيا ما دامت في دائرة المباح وضمن الحدود والضوابط الشرعية، مبتغيًا من وراء ذلك الأجر من الله -عز وجل-.

وقد وضح ابن الجوزي طرق توجيه النفس البشرية وتهذيبها في ثلاث موجهات أساسية هي:

الأول: مراعاة الطبائع والميول البشرية المختلفة.

الثاني: إشباع الحاجات الأساسية باعتدالٍ دون إفراطٍ أو تفريطٍ، ومجانبة إغراء الشيطان وتضليلاته في ذلك.

الثالث: قيادة النفس البشرية بعقليةٍ مؤمنة حكيمةٍ.

الأول: مراعاة الطبائع والميول البشرية المختلفة:

لقد وضح ابن الجوزي أن هناك فروقًا فرديةً بين الناس واختلافاتٍ جوهريةً في إشباع الشهوات وفي ذلك يقول: "الطباع لا تتساوى، فرب شخص يصلح على خشونة العيش، وآخر لا يصلح على ذلك، ولا يجوز لأحد أن يحمل غيره على ما يطيقه هو" (٢). لذلك لابد من مراعاة هذا الاختلاف عند تهذيب النفس البشرية بما يناسبها حسب قدراتها واستعداداتها هي، وليس وفقًا لقدرات غيرها من البشر، حتى لا يؤدي ذلك إلى هلاك النفس، وتبديد طاقاتها، وتدمير كيانها.

ومراعاةً لهذه الاختلافات في الطبيعة الإنسانية التي خلقها الله


(١) مرجع سابق، ابن الجوزي. صيد الخاطر. ص ٥٧.
(٢) المرجع السابق، ص ٩٦.

<<  <   >  >>