للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولا أعلم ما في غيرك، وقوله تعالى لموسى عليه السلام: {واصطنعتك لنفسي} (١) أي واصطنعتك لغيري، وهذا لا يقوله عاقل.

٦-تأويلهم وجهه تعالى بنفسه مع جحودهم لها كما تقدم، وهذا التناقض يكفي عن الرد عليهم، ولجأ بعضهم إلى القول بأن (وجه الله) من باب المجاز كقولك (وجه الكلام) و (وجه الدار) ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ الثَّوْبُ وَالدَّارُ وَالْكَلَامُ مَخْلُوقَاتٍ كُلَّهَا، وَقَدْ شَبَّهْتَمْ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ؟ فأين الفكاك والخلاص.

٧

-تأويلهم اليد بالنعمة، واستشهدوا على ذلك بِقَوْلِ الْعَرَبِ: (لَكَ يَدٌ عِنْدِي) أَيْ نِعْمَةٌ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَلْ يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} (٢) يَعْنِي نِعْمَتَاهُ، فَلَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ إِلَّا نِعْمَتَيْنِ، والله تعالى يقول: {وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} (٣) ويكون قوله تعالى: {لما خلقت بيدي} أي بنعمتي، فأي فضيلة لآدم عليه السلام على غيره على هذا التأويل؟ ولم يقول له الناس في الموقف حين يطلبون منه أن يشفع لهم عند الله لفصل القضاء: (أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ..) والحديث متفق عليه، وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ بِنِعْمَتِهِ. وماذا يقولون في قوله تعالى: {والسماوات مطويات بيمينه} (٤) ؟ هل المراد مَطْوِيَّاتٌ بِنِعْمَتِهِ؟ فَهَلْ يَقُولُ هَذَا عَاقِلٌ؟ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بِقُوَّتِهِ، اسْتِشْهَادًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّمَاءَ بنيناها بأيد} (٥) أَيْ بِقُوَّةٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ كُلُّ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ بِقُوَّةٍ؟ فَعَلَى هَذَا مَا مَعْنَى قوله عز


(١) طه: ٤١.
(٢) المائدة: ٦٤.
(٣) لقمان: ٢٠.
(٤) الزمر:٢٧.
(٥) الذاريات: ٤٧.

<<  <   >  >>