للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلم يكن له ولا عليه وإن كان الفعل مما يقربه شبرين والآخر يبعده شبراً واحداً فضل له لا محالة شبر وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تمحها (١) فإذا كان الرياء المحض يمحوه الإخلاص المحض عقيبه فإذا اجتمعا جميعاً فلا بد وأن يتدافعا بالضرورة

ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجاً ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس

نعم يمكن أن يقال إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكة وتجارته غير موقوفة عليه فهو خالص وإنما المشترك طول المسافة ولا ثواب فيه مهما قصد التجارة

ولكن الصواب أن يقال مهما كان الحج هو المحرك الأصلي وكان غرض التجارة كالمعين والتابع فلا ينفك نفس السفر عن ثواب ما

وعندي أن الغزاة لا يدركون في أنفسهم تفرقة بين غزو الكفار في جهة تكثر فيها الغنائم وبين جهة لا غنيمة فيها ويبعد أن يقال إدراك هذه التفرقة يحبط بالكلية ثواب جهادهم بل العدل أن يقال إذا كان الباعث الأصلي والمزعج القوي هو إعلاء كلمة الله تعالى وإنما الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية فلا يحبط به الثواب

نعم لا يساوي ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلاً فإن هذا الالتفات نقصان لا محالة

فإن قلت فالآيات والأخبار تدل على أن شوب الرياء محبط للثواب وفي معناه شوب طلب الغنيمة والتجارة وسائر الحظوظ فقد روى طاوس وغيره من التابعين أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يصطنع المعروف أو قال يتصدق فيحب أن يحمد ويؤجر فلم يدر ما يقول له حتى نزلت {فمن كان يرجو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بعبادة ربه أحدا} (٢) وقد قصد الأجر والحمد جميعاً وروى معاذ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال أدنى الرياء شرك (٣) وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم يقال لمن أشرك في عمله خذ أجرك ممن عملت له (٤) وروي عن عبادة إن الله عز وجل يقول أنا أغنى الأغنياء عن الشركة من عمل لي عملاً فأشرك معي غيري ودعت نصيبي لشريكي وروى أبو موسى أن أعرابياً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل ليرى مكانه فأيهم فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (٥) وقال عمر رضي الله عنه تقولون فلان شهيد ولعله أن يكون قد ملأ دفتي راحلته ورقاً وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هاجر يبتغي شيئاً من الدنيا فهو له (٦) فنقول هذه الأحاديث لا تناقض ما ذكرناه بل المراد بها من لم يرد بذلك إلا الدنيا كقوله من هاجر يبتغي شيئاً من الدنيا وكان ذلك هو الأغلب على همه وقد ذكرنا أن ذلك عصيان وعدوان لا لأن طلب الدنيا حرام ولكن طلبها بأعمال الدين حرام لما فيه من الرياء وتغيير العبادة عن موضعها وأما لفظ الشركة حيث ورد فمطلق للتساوي وقد بينا أنه إذا تساوى القصدان تقاوما ولم يكن له


(١) حديث أتبع السيئة الحسنة تمحها تقدم في رياضة النفس وفي التوبة
(٢) حديث طاوس وعدة من التابعين أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يصطنع المعروف أو قال يتصدق فيحب أن يحمد ويؤجر فنزلت {فمن كان يرجو لقاء ربه} أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب السنة والحاكم نحوه من رواية طاوس مرسلا وقد تقدم في ذم الجاه والرياء
(٣) حديث معاذ أدنى الرياء شرك أخرجه الطبراني والحاكم وتقدم
(٤) حديث أبي هريرة يقال لمن أشرك في عمله خذ أجرك ممن عملت له تقدم فيه من حديث محمود بن لبيد بنحوه وتقدم فيه حديث أبي هريرة من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه وفي رواية مالك في الموطأ فهو له كله
(٥) حديث أبي موسى من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله تقدم فيه
(٦) حديث ابن مسعود من هاجر يبتغي شيئاً من الدنيا فهو له تقدم في الباب الذي قبله

<<  <  ج: ص:  >  >>