للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[حظ الكافر]

تتحرك عوامل الغيرة والتذمر في نفس المسلم إذ يرى ما يتقلب فيه الكافر من النعيم وما يبسط عليه يده من البلاد ولكنه حيثما يفزع إلى القرآن سرعان ما يجد عنده الدواء الشافي لهذه الخواطر المؤلمة والأفكار المقلقة، يفتح المصحف فيقع نظره على قوله تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} ثم يفتحه مرة أخرى فيرى: {الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} إنها لصورة مضحكة حقا، صورة شخص لا يهمه إلا أن يأكل ويملأ بطنه من شهواته غير ناظر إلى عاقبته ولا مفكر فيما يجني عليه أكله فأهون به من نعيم يفضي إلى العذاب الأليم، وتبا لها من سعادة عقباها الشقاء المقيم، وبعدا له من حظ هو حظ الشاة التي تسمن للذبح، إلا أن الفرق بينهما أن ما ينتظر الشاة هو شفرة الذابح وما ينتطر الكافر هو نار جهنم، وأدن فما جدوى هذا العمل الجبار الذي يأتيه منه كفر بالله واعتدى على خلقه وما قيمة هذا العلم الذي لم يزدد به من الله إلا بعدا، وما تغني هذه الاكتشافات والاختراعات التي أفنى عمره في الوصول إليها {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} إن أفضل نعمة يهبها الله لعباده هي توفيقهم لعمل ما يرضيه ويقربهم إليه وصدق صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب".

فيا أيها المؤمن الذي تغره الظواهر ولا ينظر إلى العواقب فتذهب نفسه حسرات على ما يرى فيه أهل الكفر والضلال من متاع هذه الحياة: إن ذرة واحدة مما في قلبك من إيمان لخير لك من كل مما يتقلب فيه أعداء الله من أعطاف اللذائذ والشهوات واقرأ- إن شئت- قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} أو قوله: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}.

على أن الإسلام لا يحرم على المسلم الأخذ بالأسباب التي تجعله موفور الكرامة في حياته مرهوب الجانب في عين أعدائه {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} كلا نمد

<<  <   >  >>