للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: إن ناسا من اليهود يوم خيبر جاؤوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، بعد تمام العهود. فقالوا: إن حظائر لنا وقع فيها أصحابك فأخذوا منها بقلا أو ثوما، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فنادى في الناس: إن رسول الله يقول: «لا أحلّ لكم شيئا من أموال المعاهدين إلا بحق» «١» .

ولم تقف مثالية الإسلام ورسوله عند هذا الحد في آداب الحرب، بل وصلت إلى أن المسلمين كانوا إذا غنموا غنائم من الأعداء وكان فيها شيء له أهمية خاصة لهم، وطلبوه ردّه المسلمون عليهم. وقد صنع ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم مع يهود خيبر، فقد كان من بين ما غنم المسلمون حين غزوا خيبر عدة صحائف من التوراة، وقد طلب اليهود من النبي أن يسلمهم إياها، فأمر صلّى الله عليه وسلم بتسليمها لهم. «ولم يصنع صنيع الرومان حين فتحوا أورشليم وأحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم، ولا هو صنع صنيع النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا كذلك صحف التوارة» «٢» .

ليس هذا فحسب، بل إن الإسلام حرص على حماية أرواح الأسرى من الأعداء ولم يبح حتى استرقاقهم- خلافا لما يظن بعض الناس «٣» - وإنما أباح التشريع الإسلامي للقائد المسلم أن يتصرف في أسرى الأعداء بأحد طريقين، إما أن يمن عليهم بالحرية دون مقابل، وإما أن يقبل منهم الفدية ممثلة في مال يدفعونه أو عمل يؤدونه للمسلمين. وذلك كما صنع الرسول صلّى الله عليه وسلم مع أسرى المشركين في بدر، فمن كان له مال أخذ منه الفداء مالا، ومن لم يكن له ماله كلفه بأداء عمل مثل تعليم عدد من أولاد المسلمين القراءة والكتابة. صحيح أن الله تعالى عاتب نبيّه على فداء أسرى بدر كما جاء في سورة الأنفال في قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال: ٦٧] ؛ لأن الموقف كان يومئذ يقتضي قتل أسرى المشركين لكسر شوكتهم، وإزاحتهم من أمام الدعوة الإسلامية. أما بعد أن


(١) المصدر السابق (١/ ١٣٣) .
(٢) د. هيكل- حياة محمد (ص ٣٥٠) .
(٣) لا ننكر أن المسلمين كانوا يسترقون بعض الأسرى في بعض الأحيان، وذلك كان من قبيل معاملة الأعداء بالمثل؛ لأنهم كانوا يسترقون أسرى المسلمين، ولا ننكر أنهم كانوا في بعض الأحيان يقتلون بعض الأسرى، ولكن ليس لأنهم أسرى؛ وإنما من أجل جرائم خاصة خطيرة ارتكبوها في حق المسلمين. وذلك كأمر الرسول بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث من أسرى بدر. وتاريخهما في إيذاء الرسول والمسلمين معروف.

<<  <   >  >>