للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

العلماء محيط الساميين الجغرافي بالمنطقة التي نسميها اليوم "الشرق العربي" بما في ذلك شبه جزيرة العرب، ولكن عدا مصر وما إلى الغرب منها.

على أنني -قبل الاسترسال في البحث- أود أن أعلق على ما ورد في سفر التكوين من تقسيم للبشر, بأنه لا يستند إلى أسس منطقية أو علمية أو قومية صحيحة، بل إن الاعتبارات السياسية هي التي وجهت القائمين على أمور الإسرائيليين، إذ حشروا في القائمة السامية شعوبًا لا يعدها العلم الحديث من جماعة الساميين مثل "العيلاميين" وغيرهم، بينما أقصوا منها جماعة من الساميين مثل الفينيقيين والكنعانيين. ويعتقد "بروكلمان"، شيخ المستشرقين، أن إقصاء العبرانيين للكنعانيين من جدول أنساب الساميين كان متعمدًا لأسباب سياسية ودينية مع علمهم بالصلات التي تربطهم بهم١.

وما عدا ذلك أن إرجاع البشر في جميع أرجاء العالم إلى نفر ثلاثة من أبناء نوح, شيء لا يأتلف مع المنطق والعقل والعلم، ومن الصعب التصديق بتكاثرهم على الوجه الذي يريد العبرانيون أن نتصوره، وهو شيء مخالف "لطبائع الكائنات" كما أشار إلى ذلك ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، مع تخصيص منه لما يتعلق بتناسل العرق الأسود من حام بن نوح الذي كان بهذا اللون. يقول ابن خلدون: "ولما رأى النسابون اختلاف الأمم بسماتها وشعارها حسبوا ذلك لأجل الأنساب، فجعلوا أهل الجنوب كلهم السودان من ولد حام "الحاميون"، وجعلوا أهل الشمال كلهم أو أكثرهم من ولد يافث "الآريون" وأكثر الأمم المعتدلة وأهل الوسط ... من ولد سام "الساميون"، وهذا الزعم ... ليس بقياس مطرد. وما أداهم إلى هذا الغلط إلا اعتقادهم أن التمييز بين الأمم إنما يقع بالأنساب فقط ... فتعميم القول في أهل جهة معينة من جنوب أو شمال بأنهم من ولد فلان المعروف لما شملهم من نحلة أو لون أو سمة وجدت لذلك الأب إنما هو من الأغاليط التي أوقع فيها الغفلة عن طبائع الأكوان والجهات ... "٢.

وقد أسرف بعض المفكرين الأوروبيين مثل غوبينو وهوستن تشمبرلن والفيلسوف الفرنسي "أرنست رينان" فتعدوا المشابهات اللغوية والأمور الثقافية والاجتماعية المشتركة


١ د. جواد علي، ١/ ١٥٠.
٢ مقدمة ابن خلدون - طبعة إحياء التراث العربي في بيروت - طبعة ثالثة، ص٨٠.

<<  <   >  >>