للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[حكم فعل المحرمات وترك الواجبات بحجة الخوف من الفتنة]

السؤال

هل عندما يقوم الإنسان بحلق لحيته، أو ترك واجب كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومخالفة الصالحين في زيهم كل ذلك خوفاً أن يفتن في دينه، ومثل ذلك أن يكون في غير بلاد المسلمين أو بلد مسلم لا يحميه؛ هل هذا من الخوف الحرام؟

الجواب

لا شك أن هذا من الخوف الحرام؛ لأن الخوف الذي يوصل الإنسان إلى ترك واجب من الواجبات هذا من الوهم، فالواجب أن يعتز الإنسان بدينه، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يجتهد في إصلاح الناس.

وأما إذا خاف الإنسان وتردد وضعف؛ فإن الدعوة ستضعف؛ لأن الخوف الذي سيحصل لك سيحصل للثاني والثالث والعاشر، وحينئذ سينتشر المنكر وينتشر الفساد في الأرض والعياذ بالله وهذا من الأمور التي لا يجوز للإنسان أن يسكت عليها.

ومع الأسف فإن كثيراً من الناس يخاف من الوهم، ويظن أن العالم كلهم ينظرون إليه، وكأنه تحت كشافات والعالم كله تنظر إليه، فلا يتصرف تصرفاً إلا وهو خائف، هذا خوف مرضي لا ينبغي أن يكون في المسلم؛ لأن صاحب العقيدة الصحيحة لا يخاف إلا من الله سبحانه وتعالى، فيجتهد في العمل ويجتهد في الدعوة، ويجتهد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالذات هو صمام الأمان للمجتمع، وإذا سكتنا عن المنكرات زادت وكثرت وانتشرت وأصبحت هي الأصل، وأصبح المسلم غريباً، وأصبحت أسرنا أبناؤنا وبناتنا عرضة للانحراف؛ بسبب انتشار المنكر، لكن إذا ضايقنا أصحاب المنكرات وبينا رفضنا لهذا، واشتكيناهم للمسئولين، وقمنا بدور إصلاحي في المجتمع؛ فإنه بإذن الله تعالى سيضعف المنكر ويذبل.

المهم أن يمارس الإنسان إنكار المنكر بطريقة مناسبة، ولا يعني إنكار المنكر أن يقوم الإنسان بالمشاجرة مع الناس والدخول معهم في معارك، والدخول معهم في مشاكل، لا وإنما يعني إنكار المنكر أن تبين لصاحب المنكر أياً كان أن هذا العمل الذي قام به عمل محرم لا يجوز، وأنك ترفضه وتنهى عنه.

وإذا كان هذا الشخص مثلاً صاحب تجارة أو صاحب عمل فتقوم بالاحتساب عليه وتشتكيه للمسئولين، وإذا كان صاحب المنكر مثلاً مسئولاً فتشتكيه لمن هو أعلى منه، وتبين أن هذا العمل الذي عنده عمل محرم لا يجوز، ولا يجوز السكوت عليه، فهذا أمر إيجابي، وهذا في مصلحة المجتمع، وهذا أمر فيه خير للناس فضلاً عن كونه عبادة يحصل لك بها الأجر عند الله عز وجل، وهي من أعظم الأمور التي تجعل المجتمع يستقيم على أمر الله سبحانه وتعالى، لكن عندما نسكت عن المنكر ينتشر المنكر في الأرض والعياذ بالله، ونصبح أمة ملعونة، قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة:٧٨ - ٧٩].

إذاً: ترك التناهي هو سبب اللعنة، ولهذا يجب أن ننهى عن المنكر، ويجب أن نحتسب على أصحاب المنكرات، لكن بطريقتها المشروعة وبأسلوبها الصحيح، لا يفهم أحد كلامي هذا أنه إذا رأى صاحب منكر أن يدخل معه في مشكلة وفي مشاجرة وفي مضاربة، لا، إنما ينصحه، وإذا آذاك فاصبر، فنحن لنا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم خير قدوة وخير مثال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوذي فصبر، ولهذا من خلال التجربة وجدنا الكثير ممن ننصحه ونذكره بالله عز وجل ونبين له أن هذا العمل الذي يعمله منكر من المنكرات وأنه لا يجوز تجد ولله الحمد استجابة وشكراً، بل واعتذاراً، وهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى، وبالذات في هذه البلاد ولله الحمد نجد كل من حولنا يساعدنا، فأهل العلم يساعدوننا على هذا، والأنظمة الرسمية تساعد على هذا ولله الحمد، وولاة الأمر يتحدثون بشكل مستمر ودائم على أن منطلق هذه البلاد ولله الحمد هو الإسلام وأحكام الإسلام.

فكل تجاوز يجب أن يكون هناك من أهل الدعوة وأهل الإصلاح موقف صحيح في الاحتساب عليه والإنكار عليه.

لو أننا أدينا الواجب علينا نحو الصحافة التي تكتب في كثير من المنكرات، وتتهجم على الجمعيات الخيرية، وتتهجم على دور التحفيظ، وتتهجم على العلماء، ويقوم بعض الكتاب السفهاء بالكلام في خيرة الناس وهم أهل العلم والفضل، لو قمنا بالاحتساب وشكوى مثل هؤلاء لكبار المسئولين في البلد، لكان في ذلك إيقاف لهؤلاء عند حدهم، وإيقاف لتجاوزات هؤلاء وإنكار لما هم عليه.

<<  <  ج: ص:  >  >>