للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

{بِنُورِهِمْ}، والأَولى - حسب زعمهم - أن يقول: (بنوره)، كما استشكلوا أمراً آخر، وهو تشبيه الجماعة بالواحد.

والجواب: أن الله لم يشبه الجماعة بالواحد، وإنما شبه قصتهم بقصة المستوقد، فالمعنى: مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه بلسانهم وهُم به مكذبون اعتقاداً؛ كمثَل استضاءة المُوقِد ناراً.

ولن يعترض معترض على قولنا: (كمثل استضاءة)، فالحذف في الكلام معروف عند العرب، إذا فهم المعنى من السياق، كما قال نابغةُ بني جَعْدَة:

وَكَيْفَ تُوَاصِل من أَصْبَحَتْ ... خِلالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ (١)

أي: كخِلالة أبي مَرْحب. فأسقط (خِلالة)، لأنها مفهومة من السياق.

وأما تمثيلَ الجماعةَ بالواحد فجائز، ومثاله كثير في القرآن ولغة العرب، كقوله: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ} (الجمعة: ٥).

ثم يصح أن يقال: إن الآية تتحدث عن مستوقد واحد أضاء للمجموع، فصار هذا الضوء لهم جميعاً، لأنهم جميعاً منتفعون به.

ووجه آخر لم يعرفه أعاجم العرب الطاعنون في القرآن، وهو أن العرب تأتي بـ (الذي) بمعنى (الذين)، كما قال الأشهب بن رميلة:

وإن الذي حانت بفَلْج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد

ومثله قول الشاعر:

ربَّ عَبْس لا تُبارِكْ في أَحَدْ ... في قائمٍ منهم ولا فيمن قَعَدْ

إلاّ الذي قامُوا بأَطرْاف المَسَدْ (٢)


(١) انظر: جامع البيان، الطبري (١/ ١٧٤).
(٢) انظر المصدر السابق (١/ ١٧٤)، والبحر المحيط، أبو حيان الأندلسي (١/ ٨٤)، وسر صناعة الإعراب، ابن جني (٢/ ٥٣٧).

<<  <   >  >>