للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

«مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١).

وقد سبق لي أنْ بيَّنتُ تطبيق الإمام عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لمنهج الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -.

وَيُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يَقُولُ: «اتَّقُوا الرِّوَايَاتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلاَّ مَا كَانَ يُذْكَرُ مِنْهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخَوِّفُ النَّاسَ فِي اللهِ تَعَالَى» (٢).

تلكم طريقة الصحابة ومنهجهم في المحافظة على حديث رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، خشية الوقوع في الخطأ، أو تَسَرُّبِ الدَسِّ إلى الحديث الشريف من الجهلاء وأصحاب الأهواء، أو أنْ تحمل بعض الأحاديث على غير وجه الحق والصواب، فيكون الحكم بخلاف ما أخذ به. فعلوا ذلك كله احْتِيَاطًا للدين ورعاية لمصلحة المسلمين، لا زاهدًا في الحديث النبوي ولا تعطيلاً له. فلا يجوز لإنسان أنْ يفهم من منهاج الصحابة ومن تَشَدُّدِ عُمَرَ خاصة، هَجْرَ الصَّحَابَةِ لِلْسُنَّةِ أو زهدهم فيها، معاذ الله أن يقول هذا إلاَّ جاهل أو صاحب هوى، لا علم له بقليل من السُنَّةِ، ولم تخالط قلبه رُوحَ الصحابة، ولا أنار سبيله قبس مِنْ هُدَاهُمْ، فقد ثبت عن الصحابة جَمِيعًا تَمَسُّكَهُمْ بالحديث الشريف وإجلالهم إياه، وأخذهم به، وقد تواتر خبر اجتهاد الصحابة إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، وفزعهم إلى كتاب الله تعالى، فإنْ وجدوا فيه ما يريدون تَمَسَّكُوا به، وأجروا (حكم الحادثة) على مقتضاه، وإنْ


(١) " قبول الأخبار ": ص ٢٩. والحديث بإيجاز في " مسند الإمام أحمد ": ص ٣٦٣ جـ ١ بإسناد صحيح.
(٢) " رد الدارمي على بِشر المريسي ": ص ١٣٥، وانظر " تذكرة الحفاظ ": ص ٧ جـ ١.