للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إذا كان له من يمثّله بعمله، ويدعو إليه بأخلاقه وفضائله، ويعرفه إلى الناس بالقدوة والأسوة، فيقتدي الناس بدعاته من طريق العمل بعد العلم، معجبين بسجايا هؤلاء الدّعاة، معظمين لأخلاقهم، مكرمين طهارة قلوبهم، وزكاة نفوسهم، وسجاحة أخلاقهم، ورجاحة عقولهم، وحصافة آرائهم، وسداد أفكارهم. وأقصّ عليكم قصة: إنّ الباخرة (كروكوديا) التي ركبناها في عودتنا من مصر والحجاز في أوائل شهر رجب سنة ١٣٤٢ هـ (شباط ١٩٢٤ م) اجتمعنا فيها عرضا بالدكتور طاغور «١» الشاعر الذائع الصيت، وكان قافلا من سياحته في أمريكا، فسأله بعض رفقته: «ما بال نحلة (برهمو سماج) «٢» أخفقت في مساعيها ولم تنجح، مع أنها أنصفت الأديان، وجمعت الحسنات، وسالمت جميع الملل، ومن مبادئها وأصولها: أنّ الدّيانات كلّها على حق، وأن جميع المصلحين من الأنبياء والرسل والهداة هم خيار الناس وصلحاؤهم، ثم إنّها ليس فيها ما يخالف العقل أو يعارض المدنية الحاضرة أو يناوىء الفلسفة الحديثة، وصاحب هذه النحلة قد راعى فيها الظروف الراهنة والشؤون المألوفة الآن، ومع ذلك كلّه لم تنل من الفوز شيئا، ولم يتح لها من النجاح قليل ولا كثير؟!» وقد أحسن الشاعر في جوابه على هذا السؤال كلّ الإحسان؛ إذ قال: «إنّ النّحلة لم يكن لها داعية يدعو الناس إليها بسيرته الكاملة، وهديه العالي، ولم يكن لها لسان يدعو مؤيدا بعمل يصدقه، فتهوي إليه أفئدة الناس، وتطمح إليه أبصارهم، ويكون لهم من الدعاة أسوة يأتسون بها، وقدوة يقتدون بها» . وكلام طاغور هذا يدلّ على أنّ الدّين لا ينجح، ويعلو، وينتشر إلا بسيرة النّبيّ الذي بعث به، بما عرفه الناس عنه في شؤون حياته، في أخلاقه، وأعماله. وبالجملة: إنّ الجنس الإنسانيّ يحتاج أشدّ الحاجة- في بلوغه الكمال وسلوكه سبيل الرشاد- إلى هداة ودعاة طهرت


(١) هو رابندرناته طاغور، شاعر هندي، يعدّ من أعلام الأدب العالمي، نال جائزة نوبل، امتاز شعره بروح التديّن والوطنية، مات سنة ١٩٤١ م.
(٢) برهموسماج، أي: طبقة البراهمة.

<<  <   >  >>