للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة: ٣٨، ٣٩] . إلى جانب هؤلاء الذين قعدوا عن الجهاد وهم قادرون عليه، كان هناك بعض الصفوة الذين تاقت أنفسهم للجهاد وعز عليهم أن يجاهد الرسول والذين معه، ولا يشتركون في الجهاد، ولكنهم لا يجدون ما يحملون عليه فذهبوا إلى الرسول يستعينونه على الجهاد فاعتذر لهم بأنه لا يجد ما يعينهم به، هؤلاء هم الذين قال الله عنهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢] .

إلى جانب هذه النوعيات من المسلمين الذين وضحت السورة مواقفهم ومواقعهم، وأعطت لكل ذي حق حقه؛ كان المجتمع المسلم- عند غزوة تبوك- زاخرا بمجموعات من المنافقين، الذين كانوا يتسترون تحت إظهار الإسلام، ولكن نياتهم تنطوي على الحقد عليه، وكانوا يظنون أن أمرهم يخفى على الله ورسوله، فكشفتهم السورة، وفضحت مواقفهم. لذلك كان من الأسماء التي عرفت بها سورة التوبة اسم الفاضحة «١» . من هؤلاء المنافقين من اعتذر لرسول الله عن الجهاد بأعذار كاذبة، فضحها الله تعالى ولم يقبلها، وقال عنهم: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة: ٩٤] .

ومن المنافقين من لم يكتف بالقعود عن الجهاد والتخلف عن رسول الله، بل أخذ يثبط الآخرين عن الجهاد، ويحرضهم على القعود والتخلف ويحببه إليهم ويبث الأكاذيب والأراجيف في صفوف المسلمين. وهؤلاء الذين قال الله تعالى عنهم:

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: ٨١] .

وهكذا كما حددت سورة التوبة علاقات الأمة المسلمة بغيرها من الأمم تحديدا نهائيّا، حددت وبينت موقف وموقع كل مجموعة من المجموعات التي تنتسب إلى الإسلام، حتى يكون رسول الله على بينة من أمر الأمة على اختلاف اتجاهاتها ونواياها.


(١) د. كامل سلامة- العلاقات الدولية في الإسلام (ص ١٢) .

<<  <   >  >>