للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

البديهة، مواتي الجواب، معروفا بطيب السمر ورقة المنادمة حتى أطلق عليه "سيد الندماء".

والمنادمة فن دقيق يعتمد على مواهب وفطر خاصة، ويحتاج في تناوله إلى لباقة وكياسة، وتفطن إلى مواطن النكتبة وموقعها من النفوس، وتفرس فيما يطيب من القول، ويلذ لسامعه، هذا إلى سرعة البديهة، والحذق في معرفة الطبائع والبصر بمختلف الأخلاق، وتمييز كل موقف من صاحبه، والتملؤ من أدب المفاكهة والإلمام بما يهش له السامع في شتى أحواله، وما يرفه به عن نفسه إذا غشيها الملال.

على أن النديم قد تحاك حوله الدسائس لتصرف عن جمال نكتته، وتصد عن التبسم والبشاشة له، وقد يرتصد له بعض الخبثاء، فيفسد عليه غرضه بالتصريح أو بالإيماء، فإذا لم يكن حاضر البديهة، ومواتي الجواب لبقا في الأخذ بالشيء والإنصراف عنه، قادرًا على أن ينتقل من حديث إلى حديث، ومن مقام إلى مقام فشل في جر السرور، والمفاكهة الذي يهيئه، ويشرق الأنس منه.

وقد كان ذلك من مواهب "الليثي" في منادمته، فإنه ليجمع إلى طلاقة لسانه، وفيض خاطره وحلاوة حديثه، وحسن بصره بمواطن الحديث، وتهديه إلى ما يحسن أن يأخذ به من القول، وما يدع روائع من الأدب، وأطايب من البيان يصرفها في كل مجلس، ويديرها في كل مناسبة، ويعرضها إذا استشرقت لهما الأسماع، واهتزت لها العواطف والوجدانات، فيملأ النفوس أنسا وراحة والقلوب -بهجة ولذة.

ولا نحسب أن من شعراء الجيل الحاضر شاعرا يمثل مدرسة الندماء، كما كان يمثلها الشيخ "علي الليثي" الذي ارتقى في هذه الصناعة حتى نادم "إسماعيل" "وتوفيقا"، وبقي من نوادره، ودعاباته ما يذكره المتأدبون والمعنيون بأخبار القصور حتى في أقصى الصعيد١.


١ شعراء مصر وبيئاتهم للعقاد ص١٠٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>