للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ثُمَّ إِن هناك فوائِدَ خاصَّةً تَكُون بحسَب السِّياق والقَرينة، انظُرْ إلى قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ} ما قال: وما يُدريه. مُوافَقةً لـ {عَبَسَ}، ولا قال: عبَسْت مُوافَقةً لـ {يُدْرِيكَ}، وعلَّلوا ذلك بأن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كرِهَ أن يُخَاطِب نَبيَّه بوَصْف يَقتَضي الذَّنْب وهو العُبوس والتَّولِّي، فقال تعالى: {عَبَسَ} كأَنَّ التَّحدُّث عن غير الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ {وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى}، ثُمَّ قال تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} خاطَبه بذلك؛ ليَتبَيَّن أن الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ليس عنده عِلْم من الغَيْب، وهذا ليس فيه قَدْح في الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ألَّا يَكون عالمًا للغَيْب؛ لأن هذا هو شَأْن جميع البشَر.

والحاصِلُ: أن الالتِفاتَ الفائِدةُ العامَّة منه هو التَّنبيهُ، ثُم يَكون في كل مَوضِع فائِدة خاصَّة في ذلك المَوضِع، وهنا فائِدتُه -واللَّه تعالى أَعلَمُ- أنَّه لمَّا قال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ} وكان مِيثاق الأنبياءِ دائِرًا بين أَمْرٍ يَقومون به وأَمْرٍ يُواجَهون به من البشَر، وكلا الأَمْرين يَكون صِدْقًا ويَكون غيرَ صدْق، لكنَّ غير الصِّدْق في جانب الأنبياء مُستحيل، لكن غير الصِّدْق في جانب المَدعُوِّين مُمكِن.

قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {لِيَسْأَلَ} كراهيةَ أن يُخاطِب أو أن يَنسُب السُّؤال لنَفْسه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مع أنَّه يَدخُل في ضِمْنه الأنبياءُ؛ لأن الخِطاب، أو لأن التَّحدُّث بضمير الحضور: (لنَسأل) أَقوَى في النفس من أن يَكون التَّحدُّث بضَمير الغَيْبة.

يَقول عَزَّ وَجَلَّ: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ} قال المُفَسِّر رَحِمَهُ اللَّهُ: [اللَّه] تَفسير للضَّمير المُستَتِر {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} هو قال المُفَسِّر رَحِمَهُ اللَّهُ: [في تَبليغ الرِّسالة] وهذا بِناءً على ما يَراه في تَفسير الآية أن السُّؤال للأنبياء فقَطْ، والصوابُ أن السُّؤال لهم ولمَن دُعوا، قال اللَّه تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}

<<  <   >  >>