هذا تقرير ما صدر من عمر مع شدة صلابته في الدين، وكثرة بغضه للمنافقين، فلذا أقدم على ما قال ولم يلتفت إلى احتمال إجرائه على ظاهر لما غلب عليه من الصلابة المذكورة، قال ابن المنير: إنما قاله عمر عرضا ومشورة، لا إلزاما وله بذلك عوائد، ولا يبعد أنه صلى الله عليه وسلم كان أذن له في مثل ذلك، فليس باجتهاد مع وجود النص، كما زعم، بل أشار بما ظهر له فقط، ولذا احتمل منه أخذه بثوبه ومخاطبته له في مثل المقام حتى التفت إليه مبتسما، "فقال صلى الله عليه وسلم: إنما خيرني الله عز وجل" بين الاستغفار وتركه، "فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} " [التوبة: ٨٠] واستشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه، واتفاق الشيخين وسائر الذين خرجوا الصحيح عن صحته، وذلك ينادي على منكري صحته، كالباقلاني، وإمام الحرمين والغزالي والداودي بعدم معرفة الحديث، وقلة الاطلاع على طرقه. وأجيب بأن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان فجوز حصول المغفرة بالزيادة على السبعين لا أنه جازم بذلك ولا يخفى ما فيه، وبأن المنهي عنه استغفار ترجي إجابته بخلافه لمثل ابن أبي، فإنه تطييب لقلوب من بقي وليس بمضي كقول، الزمخشري: إن قلت كيف خفي على أفصح الخلق، وأخبرهم بأساليب الكلام، وتمثيلاته أن المراد بهذا العدد أن الاستغفار ولو كثر لا يجدي، ولا سيما وقد تلاه قوله ذلك: {بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: ٨٠] فبين الصارف عن المغفرة لهم، قلت: لم يخف عليه ذلك لكنه فعل ما فعل، وقال ما قال إظهارا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه كقول إبراهيم: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: ٣٦] . وفي إظهاراه الرأفة المذكورة لطف بأمته وباعث على رحمة بعضهم بعضا، وتعقبه ابن المنير، فقال: لا يجوز نسبة ما قاله إلى الرسول لأخبار الله أنه لا يغفر له، فطلبها لهم مستحيل، ولا يقع