للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

٢ حكى أم الملك العزيز كان في أيام أبيه يهوى جارية قينة فمنعه أبوه عنها، فسيرت له كرة عنبر مع الخادم فكسرها فوجد فيها زراً من الذهب فلم يفهم مرادها، ونقل ذلك إلى القاضي الفاضل فأنشده، ارتجالاً يقول:

أهدتْ لك العنبر في وسطه ... زرٌ من التبر رقيقُ اللحامِ

فالزرُّ في العنبر تفسيره ... زر هكذا مستتراً في الظلام

٣ حكى أنه مر بعض لأدباء على حي من أحياء العرب فرأى امرأة خارجة من الحي فقال لها: من المرأة؟ قالت: من بني فلان، فأراد العبث بها، فقال: أتكتنون فقال: عم نكتني فقال لها: معاذ لله! لو فعلت لاغتسلت، فأجابته على الفور: أتعرف الروض؟ قال: نعم فقالت: قطعْ لي قول الشاعر.

مفرد:

حولَّوا عنا كنيستكُمْ ... يا بني حمَّالةَ الحطبِ

فلما أخذ يقطع قال: حولوا عن ناكني، فقالت: المرأة من هو؟ فتعجب وقال: الله أكبر إن للباغي مصرعاً، والله إنها لمن أهل الذكاء.

٤ حكي، أن بعض الماجنات أرادت السفر، فلقيها رجل فقال لها: خذي مع هذا الكتاب، وأشار إلى ذكره، فقالت على الفور: إن لم أجد لك أمك أعطه لأختك؟ فسكت وأفحم وتعجب من ذكائها وسرعة جوابها.

٥ وحكي: أن رجلاً حدث فيه قولنج فمنع خروج الريح، طول ليلته، وهو يدعو الله أن يفرج عنه ما يجده، فلم يذهب ما به حتى طلع الفجر فقام وتوضأ وصلى الصبح، ولما فرغ من صلاته قال: اللهم ارزقني الجنة فقالت له زوجته: يا هذا لم أرى أحمق أنك، أنت طول ليلتك ترجو من الله أن يخرج من بطنك فسوة فلم يعطك، وأنت تطلب منه جنة عرضها السماء والأرض، فسكت ولم يرد جواباً.

٦ حكي: أن الخليفة لمتوكل على الله العباسي بلغه أن جارية ممول الجيش في المدينة، في غاية الحسن، وفرط الذكاء وحسن الصوت، فأرسل إلى عامله ليرسلها له فلما أخذها من مولاها، كاد يزول علقه لفرط حبه لها، فقالت له: أحسن ظنك بالله وبي، فإني كفيلة لك بما تحب، فحملت إلى المتوكل، ولما دخلت عليه قال لها: اقرئي، فشرعت بقراءة القرآن وقالت: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجةً ولي نعجةٌ واحدةٌ) ففهم المتوكل ما أرادت وتعجب من ذكائها وردها إلى مولاها.

٧ حكي: أن المأمون وكان يوماً يصيد نواحي الكوفة فبينما هو يسير في اثر غزال حتى أشرف على نهر، وإذا جارية عربية خماسية القد، قاعدة على النهر، كأنها القمر ليلة تمامه، وبيدها قربة قد ملأتها (ماء) وحملتها على أكتفها وصعدت وقد انحل وكاء القربة، فصاحت رفيع صوتها: يا أبت أدرك فاها، فقد غلبني فوها، ولا طاقة لي بفيها، فتعجب المأمون من فصاحتها وذكائها، وألقت من يدها، فتقدم إليها المأمون وقال لها: من أي العرب أنت؟ قالت: من بني كلاب، فقال: ما حملك أن تكوني من الكلاب؟ فقالت: والله لست من الكلاب، وأما أنا من قوم كرامٍ، غير لئام، يقرون الضيف، ويضربون بالسيف، فأنت من أي ناس؟ فقال لها: أو عندك علم بالأنساب: قالت: نعم قال لها: أنا من مضر، فقالت: من أي مضر؟ قال من أكرمها نسباً، وأعظمها حسباً، وخيرها أما وأباً ممن تهابه مضر فقالت: أظنك من كنانة؟ قال: نعم قالت: من أي كنانة؟ قال: من أكرمها مولداً وأشرفها محتداً، وأطولها في الحكومات يداً، ممن تهابه كنانة وتحافه، قالت: إذاً، أنت من قريش؟ قال: نعم، قالت: من أي قريش؟ قال: من أجلها، ذكراً، وأعظمها منزلاً وأشرفها قبيلة [ممن تهابه قريش كلها وتخشاه، قالت: أنت والله من بني هاشم، قال: أنا من بني هاشم قالت من أي هاشم؟] قال: من أعلاها منزلة وأشرفها قبيلة ممن تهابه هاشم وتخافه، قال فعند ذلك قبلت الجارية الأرض وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين، فتعجب المأمون ثم قال: والله لا ابرح حتى أتزوج هذه الجارية، وتلاحقت العساكر، وأنفذ خلف أبيها، وخطبها وتزوجها، ودخل بها وعاد مسروراً بها.

٨ حكى الأصمعي: أن عجوزاً من العرب جلست عند فتيان يشربون نبيذ التمر فسقوها فطابت نفسها، وتبسمت ثم سقوها ثانياً فاحمر وجهها، ثم سقوها ثالثاً فضحكت وقالت: أخبروني عن نسائكم بالعراق، وهل يشربن من هذا الشراب؟ قالوا: نعم فقالت: إذاً والله زنين، ورب الكعبة.

<<  <   >  >>