للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» (١). وإلى هذا المعنى الذي ذكرناه ذهب عمر في طلبه من أبي موسى الأشعري أن يحضر معه رجل يشهد أنه سمع من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حديث السلام، لكن فعله على الوجه الذي بَيَّنَّاهُ من الاحتياط، لحفظ السنن والترهيب في الرواية والله أعلم. انتهى (٢).

مما سبق يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّ الصحابة جَمِيعًا كانوا يَتَثَبَّتُونَ في الحديث، وَيَتَأَنَّوْنَ في قبول الأخبار وأدائها، وكانوا لا يحدثون بشيء إلاَّ وهم واثقون من صحة ما يَرْوُونَ، وقد حرصوا على المحافظة على الحديث بكل وسيلة تفضي إلى ذلك، فاتَّبعوا مَنْهَجًا سَلِيمًا يمنع الشوائب من أنْ تدخل السٌنَّةَ النَّبَوِيَّةَ فتفسدها.

وقد حمل لواء هذه المحافظة والحرص على السنن جميع الصحابة، وتميز منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وقد ظهر لنا مما رُوِيَ عنه اهتمامه بِالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وإجلاله للحديث الشريف. وَإِنَّ الأخبار التي رويت عنه في هذا الشأن ليدعم بعضها بعضًا في سبيل نشر العلم والحرص على سلامة السُنَّةِ، ومن ثم ليس لأحد أنْ يرى تَنَاقُضًا بين وصية عمر لأهل العلم والآثار الأخرى المروية عنه، فهو إذا طلب الإقلال من الرواية فإنما يطلبه من باب الاحتياط لحفظ السُنَنِ والترهيب من الرواية، وأما من كان يتقن ما يُحَدِّثُ به ويعرف فقهه وحكمه فلا يتناوله أمر عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، فكل ما ورد عن أمير المؤمنين إنما يدل على المحافظة على السُنَّةِ ونشرها وتبليغها صحيحة، وَلاَ يَتَيَسَّرُ نشرها صحيحة مَا لَمْ يَتَثَبَّتْ حاملوها من مروياتهم، والإقلال من الرواية مظن عدم


(١) انظر نحو هذا القول عن معاوية في كتاب " رد الدرامي على بِشْر المريسي ": ص ١٣٥، و" تذكرة الحفاظ ": ص ٧ جـ ١.
(٢) " شرف أصحاب الحديث ": ص ٩٩: آ.