للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

صبيان المدينة، حينما أذن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأسرى بدر بأن يفدي كل كاتب منهم نفسه بتعليم عشرة من صبيان المدينة الكتابة والقراءة (١)، ولم يقتصر تعليم الكتابة والقراءة على الذكور فقط، بل كانت الإناث تتعلمن هذا في بيوتهن، فقد روى أَبُو بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ لِي: «أَلاَ تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الكِتَابَةَ؟» (٢).

ثم اتسع نطاق التعليم، وانتشر في الآفاق الإسلامية، بانتشار الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، وكثرت حلقات العلم، وانتظمت في المساجد (٣)، وأضحت بعض الحلقات تضم نَيِّفًا وألفًا من طلاب العلم (٤)، وكثر


= كان اللوح المخصص للكتابة موجودًا في وقت مبكر جِدًّا، فلقد روي عن أم الدرداء أنها كتبت على لوح من هذا النوع عبارات في الحكمة، ليقلدها تلميذ كانت تعلمه الكتابة والقراءة» انظر " تاريخ التربية الإسلامية " للدكتور أحمد شلبي، طبعة بيروت سَنَةَ [١٩٥٤ م] ص: ٢٦.
ونضيف إلى هذا - مما يؤكد وجود الكتاتيب - ما رواه عثمان بن عبد الله، قال: «رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ وَنَحْنُ فِي الكُتَّابِ». انظر " طبقات ابن سعد ": ص ٥٩ قسم ٢ جـ ٤. وقد تعلم زيد بن ثابت في أحد هذه الكتاتيب. انظر " مسند الإمام أحمد: ص ٢٥٩ جـ ٥.

(١) انظر " طبقات ابن سعد ": ص ١٤ قسم ١ جـ ٢.
(٢) " سنن أبي داود: ص ٣٣٧ جـ ٢. والنملة هي قروح تخرج من الجنب، وفي الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي الرُّقَى قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ العَيْنِ، وَالحُمَةِ، وَالنَّمْلَةِ». وَالحُمَةُ - بضم الحاء وفتح الميم - هي السم، انظر " صحيح مسلم ": ص ١٧٢٥، حديث ٥٨ جـ ٤.
(٣) مما يذكر عن النشاط العلمي وانتظام الحلقات أن أبا الدرداء - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - (- ٣٢ هـ) «كان إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريفًا، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم، رجع إلى عريفهم، وإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء فسأله عن ذلك». انظر " غاية النهاية في طبقات القراء ": ص ٦٠٦ جـ ١، و " تهذيب التاريخ الكبير " لابن عساكر: ص ٦٩ جـ ١.
(٤) قال مسلم بن مشكم: «قال أبو الدرداء: اعدد من يقرأ عندي القرآن، فعددتهم بأمره ألفًا وستمائة ونيفًا، وكان لكل عشرة منهم مقرئ، وأبو الدرداء يكون عليهم قائمًا إذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء». انظر " غاية النهاية في طبقات القراء ": ص ٦٠٧ جـ ١ ونحوه في " التاريخ الكبير " لابن عساكر: ص ٦٩ جـ ١ =