للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

نشؤوا على العنجهية والإباء والشمم إلى حدّ الإسراف في الصلابة، ولرأفته بهم وحدبه «١» عليهم قال الله عز وجل فيه لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] «٢» فمنّ الله على العرب بهذا الرسول، وقال لهم:

إنه يعزّ عليه أن تبقوا في ضلال، ويشقّ عليه أن تعمهوا في ظلمات الكفر والشرك، وأن تعرضوا عن الحقّ وتلجّوا في عتوّ ونفور، وهو يبغي صلاحكم، ويودّ خيركم، ويحب فلاحكم، وهذا هو الذي يدعوه إلى نصحكم، ويحفزه لهدايتكم، وإبلاغ الرسالة إليكم، فمن لبّى دعوته، وقبل رسالته، وأقبل على ما عند الرسول من الحق البيّن، والخير الكثير؛ كان أهلا لأن يرعى الرسول جانبه، ويخصه بعنايته، ورحمته، والرسول وإن يكن مبعوثا إلى البشر كافة؛ فإنّ من آمن به، وصدّق بما جاء به؛ فإن له من رأفة الرّسول، ورحمته، وشفقته أوفر حظّ، وأكبر نصيب.

هذه هي شهادة القرآن، والقرآن أحكام، وتوجيهات أنزلت على رسول الله محمد ليبلغها للناس، وسيرة الرسول هي تفسير ما في القرآن من تلك الأحكام والتوجيهات، وحياته كلّها، وما صدر عنه فيها من أقوال، وأفعال هي تفصيل لما جاء في القرآن، فكلّ حكم جاء به القرآن قد امتثله الرسول، ومثّله للناس بفعله، وبيّنه بقوله، فما من شيء أمر به الرسول من الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأداء نسك الحج، وبذل الصدقة، والجهاد، والإيثار، وتوجيه العزيمة، واحتمال الصبر على النوائب، وشكر الله على النعم، والتعامل مع الناس بالفضائل ومكارم الأخلاق- إلا وهو مستمدّ من القرآن، أو من الوحي الإلهي وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣- ٤] ، ومامن حكم أو توجيه في


(١) حدبه: عطفه.
(٢) (من أنفسكم) أي: منكم حسبا ونسبا، فكلّ ما يحصل له من العزّ والشّرف فهو عائد إليكم، أو هو بشر مثلكم جعله الله من جنسكم رحمة بكم، ولو جعله ملكا؛ لشقّ ذلك عليكم، كما قال جلّ شأنه في سورة الأنعام وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ [الأنعام: ٨] .

<<  <   >  >>