للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله، فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فلما رآهم- قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلما قال ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدّم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال ... فلمّا أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلّى الله عليه وسلم: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [البقرة: ٢١٧] .

فلما نزل القرآن بهذا من الأمر فرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشّفق- الخوف- قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلم العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا- يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان- فإنّا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم» فقدم سعد وعتبة، ففداهما رسول الله صلّى الله عليه وسلم منهم، فأما الحكم بن كيسان فأسلم، فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرا «١» .

هذا ملخص رواية ابن إسحاق عن سريّة عبد الله بن جحش رضى الله عنه التي كانت في نهاية رجب من السنة الثانية من الهجرة. وهذه السرية كانت على جانب عظيم من الأهمية بالنسبة لعلاقات المسلمين وقريش في هذه الفترة. وقد ترتبت عليها نتائج كبيرة، وكشفت للمسلمين عن أشياء- ربما كانت خافية عنهم- وعلى رأس ذلك موقف اليهود، الذين كشفوا عن نواياهم الخبيثة في التحريض والتحريش على الحرب بين المسلمين وقريش. ولذلك أخذوا يردّدون: «عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو عمرت الحرب، والحضرميّ حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله وقدت الحرب» يعني أرادوا أن يشعلوها حربا على المسلمين، ولكن عليهم وعلى


(١) ابن هشام (٢/ ٢٤٠- ٢٤٢) .

<<  <   >  >>