للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هذه تأملات تثيرها في النفس محنة المعتمد بن عباد. ولا ريب أن هذه الخاتمة المؤسية التي قدر للمعتمد أن يعاني آلامها المروعة المادية والمعنوية، لحرية بأن تسبغ عليه ثوب شهيد، يستحق عطف التاريخ، وصفح الأجيال.

- ٣ -

ذكرنا فيا تقدم أن أمير المسلمين حينما نظم جيوشه لافتتاح إمارات الطوائف، بعث إلى ألمرية جيشاً بقيادة أبى زكريا بن واسنو (وقيل بل محمد بن عائشة) لمحاصرتها وافتتاحها. وهنا تختلف الرواية، فيقال إن المرابطين أشرفوا على ألمرية، وحاصروها، وأميرها المعتصم بن صمادح عليل يعاني مرض موته، وأنه ألقى بهذه المناسبة كلمته المأثورة " نغص علينا كل شىء حتى الموت "، ثم توفي أثناء الحصار في شهر ربيع الآخر سنة ٤٨٤ هـ (١٠٩١ م) (١). وفي رواية أخرى أن المعتصم توفي قبل مقدم المرابطين، وأنه كان قد أوصى ولده معز الدولة قبيل وفاته، بأن يترقب مصير إشبيلية، فمتى سقطت في أيدي المرابطين، وخلع أميرها المعتمد بن عباد، فعليه أن يغادر ألمرية فوراً، ويعبر البحر في أهله وأمواله، إلى العدوة، ويلتجىء إلى حماية بني حماد أمراء القلعة. وقد نفذ معز الدولة وصية أبيه، واستطاع أن ينجو بأهله وأمواله، وأن يغادر ألمرية في آخر لحظة، قبل أن يطوقها المرابطون، وأن يعبر البحر إلى العدوة (رمضان سنة ٤٨٤ هـ)، وذلك كله حسبما فصلناه من قبل في أخبار مملكة ألمرية (٢). ودخل المرابطون ألمرية على الأثر واحتلوها، فكانت ألمرية بعد غرناطة وإشبيلية، ثالثة مملكة من ممالك الطوئف. تسقط في أيدي المرابطين.

وقد ذكرنا فيما تقدم كيف احتل المرابطون مدينة مرسية بقيادة ابن عائشة وذلك في شوال سنة ٤٨٤ هـ (أكتوبر سنة ١٠٩١ م)، ثم استولوا في العام التالي (٤٨٥ هـ) على شاطبة وشقورة ودانية.

ونحن نعرف مما تقدم من أخبار مملكة بلنسية، أن المرابطين بدأوا يتدخلون في حوادث بلنسية، ويبذلون جهودهم لتحطيم مغامرات " السيد " في هذه المنطقة، وذلك منذ سنة ٤٨٥ هـ (١٠٩٢ م). وقد قام الجيش الذي يقوده


(١) ابن الأبار في الحلة السيراء ص ١٧٢. والطبعة الجديدة ج ٢ ص ٨٤.
(٢) ابن الأبار في الحلة السيراء ص ١٧٤، وروض القرطاس ص ١٠١.

<<  <  ج: ص:  >  >>