للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفصل الثالِث

النصارى المعاهدون

النصارى المعاهدون. مركزهم وأحوالهم في ظل الحكومة الإسلامية. أحوالهم في ظل الطوائف. مصانعة أمراء الطوائف لهم. تمتعهم بالتسامح في شرقي الأندلس. أحوالهم في مملكة سرقسطة. عدم ولائهم للحكومات المسلمة. مداخلتهم للملوك النصارى ومعاونتهم ضد المسلمين. صدى هذا الموقف في دول الطوائف. استدعاؤهم ألفونسو الأرجوني لغزو الأندلس. قيامه بالغزوة المنشودة. فتوى الفقهاء بخيانة المعاهدين ووجوب تغريبهم. ظهور مجتمع المدجنين في القواعد الإسلامية المفتوحة.

يجدر بنا بعد أن تحدثنا عن تاريخ الممالك الإسبانية النصرانية، أن نعرض في شىء من التفصيل إلى موقف النصارى المعاهدين وأحوالهم في عصر الطوائف، وهو العصر الذي سرى فيه الانحلال السياسي والعسكري إلى اسبانيا المسلمة، ومزقتها الحروب الأهلية، وتطاولت عليها الممالك الإسبانية النصرانية. ونحن نعرف أن النصارى المعاهدين، كانوا منذ عهد الإمارة يكونون أقليات ذات شأن في القواعد الأندلسية الكبرى، مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة وبلنسية وسرقسطة. وكانت هذه الأقليات النصرانية تعيش آمنة مطمئنة، في ظل الحكومة الإسلامية، تزاول نشاطها وشعائرها بمنتهى الحرية. ويتمتع النابهون من أبنائها بعطف الخلفاء وثقتهم وتقديرهم، ويشغل الكثير منهم مناصب هامة في الإدارة وفي القصر. وقد أشرنا فيما تقدم من أخبار الأمراء والخلفاء إلى كثير من أولئك النصارى البارزين. وكانوا إلى جانب اللغة العربية التي يتقنها الكثير منهم، يتكلمون لغتهم الرومانية الأصلية Romance، وهي اللغة التي كانت سائدة يومئذ في الممالك الإسبانية النصرانية، وكان يعرفها كثير من أكابر الصقالبة في البلاط الأندلسي، وبعض أكابر المسلمين من الوزراء والكتاب. وكانت هذه اللغة هي لغة النصارى المعاهدين المكتوبة، التي يستعملونها في مخاطباتهم ومعاملاتهم داخل المجتمع الإسلامي، الذي يعيشون فيه. وكان المسلمون يستعملون أحياناً بعض عبارات هذه اللغة الرومانية، وهي التي يسمونها " اللطينية " ولاسيما في بعض الرسائل العلمية (١).


(١) R.M.Pidal: Origines del Espanol, p. ٤١٨ & ٤٢١

<<  <  ج: ص:  >  >>