للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- ٢ -

وهنا نقف قليلا في تتبع ثورة المولدين وزعيمهم ابن حفصون، لنعطف على أخبار الثورات التي قام بها الزعماء العرب في الوقت نفسه، في مختلف القواعد والثغور.

كانت المناطق الجنوبية في الوقت الذي تجيش فيه بثورة المولدين في الغرب، تجيش في الشرق بثورة أخرى عمادها القبائل العربية. وكانت سياسة اصطفاء الموالي التي جرى عليها بنو أمية في الأندلس منذ بداية أمرهم، قد أخذت تحدث أثرها في نفوس القبائل العربية، وأضحت هذه القبائل ترى في سياسة حكومة قرطبة نوعاً من الطغيان والمهانة. ولما ثار ضرام الفتنة على يد المولدين في الثغر الأعلى وفي المناطق الجنوبية، ألفت القبائل العربية الفرصة سانحة للقيام بدورها، والانتصاف لعصبيتها وكرامتها. وكانت كورة إلبيرة مركز نشاطهم في الجنوب؛ ففي سنة ٢٧٥ هـ (٨٨٩ م) ثار في ناحية البراجلة من كورة إلبيرة يحيى بن صقالة القيسي، وكان ذا وجاهة ومال، والتفت حوله البيوتات العربية، واشتد في مطاردة المولدين والنصارى (١)، فثاروا به ولم يلبث أن قتل في بعض المواقع التي نشبت بينه وبينهم؛ فتصدر لزعامة العرب عندئذ سوّار بن حمدون القيسى، وكان سوار زعيماً مجرباً. وافر الشجاعة والبأس، فهرعت العرب إلى لوائه، وأغار على حصون المولدين والنصارى في تلك المنطقة، فانتزع معظمها، وامتدت رياسته حتى قلعة رباح، وجعل مركزه في حصن منت شقند (٢) على مقربة من إلبيرة ثم زحف على إلبيرة وفيها جعد بن عبد الغافر واليها من قبل الأمير، ونشبت بين الفريقين معركة هائلة، فهزم جعد وأسر، وقتل كثير من أصحابه (٢٧٦ هـ)، وتعرف هذه الموقعة بواقعة المدينة (٣). ثم أطلق سوار جعداً فتحالف مع ابن حفصون على قتاله. وقوى أمر سوار واشتد ساعده وكثر أنصاره، فسار إلى غرناطة واستولى عليها واتخذها قاعدة له، ونشبت بينه وبين المولدين وزعيمهم ابن حفصون عدة معارك، هزم فيها ابن حفصون وقتل بعض قواده. وكان سوار


(١) ابن حيان في المقتبس ص ٥٥.
(٢) ويسميها ابن حيان منت شاقر (المقتبس ص ٥٥).
(٣) المقتبس ص ٥٥ و٥٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>