للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد كان عمر المتوكل، إلى جانب زميله المعتمد بن عباد، وكلاهما يومئذ هدف لأخطر عدوان مباشر من جانب ملك قشتالة، في مقدمة المؤيدين لهذه الخطوة، وقد كتب إلى أمير المسلمين، كما كتب المعتمد، يلتمس عونه وغوثه.

والظاهر أن المتوكل وجه صريخه لأمير المسلمين قبل سقوط طليطلة، حسبما يبدو ذلك من رواية صاحب الحلل الموشية (١)، وقد انتهت إلينا من قلم هذ الأمير العالم تلك الرسالة البليغة المؤثرة يصف فيها لأمير المسلمين محنة الأندلس، وما دهاها من التفرق والانحلال، ويستنصره إلى الجهاد، والإنجاد العاجل:

" لما كان نور الهدى، أيدك الله، دليلك، وسبيل الخير سبيلك، ووضحت في الصلاح معالمك، ووقفت على الجهاد عزائمك، وصح العلم بأنك لدعوة الإسلام أعز ناصر، وعلى غزو الشرك أقدر قادر، وجب أن تستدعي، لما أعضل الداء، وتستغاث لما أحاط بالجزيرة من البلاء، فقد كانت طوائف العدو المطيف بأنحائها "أهلكهم الله" (٢)، عند إفراط تسلطها واعتدائها (٣)، وشدة كلبها واستشرائها، تلاطف بالاحتيال، وتستنزل بالأموال، ويخرج لها عن كل ذخيرة، وتسترضى بكل خطيرة (٤)، ولم يزل دأبها التشطط والعناد، ودأبنا الإذعان والانقياد، حتى نفد (٥) الطارف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، وأيقنوا الآن بضعف المنن، وقويت أطماعهم في افتتاح المدن، واضطرمت في كل جهة نارهم، ورويت من دماء المسلمين أسنتهم وشفارهم، ومن أخطأه القتل منهم، فإنما هم بأيديهم أسارا وسبايا، يمتحنونهم بأنواع المحن والبلايا، وقد هموا بما أرادوه من التوثب، وأشرفوا على ما أملوه من التغلب، فيالله وياللمسلمين، أبسطوا هكذا بالحق الإفك، ويغلب التوحيد الشرك، ويظهر على الإيمان الكفر، ولا يكشف هذه البلية النصر، ألا ناصر لهذا الدين المهتضم، ألا حامي لما استبيح من الحرم، وأنا لله على ما لحق عرشه من ثل، وعزه من ذل، فإنها الرزية التي ليس فيها عزاء، والبلية التي ليس مثلها بلاء. ومن قبل هذا ما كنت خاطبتك، أعزك الله، بالنازلة في مدينة قورية، أعادها الله، وأنها مؤذنة للجزيرة بالخلا، ومن فيها من المسلمين بالجلا، ثم مازال ذلك التخاذل يتزايد، والتدابر يتساند، حتى تخلصت


(١) الحلل الموشية ص ٢٠.
(٢) الزيادة من البيان المغرب (الأوراق المخطوطة).
(٣) البيان المغرب "واعتزازها".
(٤) البيان المغرب "نفيسة".
(٥) البيان المغرب "استصفى".

<<  <  ج: ص:  >  >>