للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يَضُرّ، ومِنْ ذلك ما وقَعَ في البخاري في روايته عن أحمدَ غيرَ منسوبٍ عن ابنِ وهب، فإنّه إمّا أحمدُ بن صالح أو أحمد بن عيسى، أو عن محمدٍ غيرَ منسوبٍ عن أهل العراق، فإنه إمَّا محمدُ بن سَلَام، أو محمد بن يحيى الذُّهْلَى، وقد استوعبتُ ذلك في مقدمة شرحِ البخاري.

ومَنْ أراد لذلك ضابِطًا كُلِّيًّا يمتازُ أحدُهما عن الآخَرِ فَبِاختِصَاصِه أي الشيخِ المَرْوِي عنه بأحدِهما يتبينُ المُهْمَلُ، ومتى لم يتبيَّنْ ذلك أو كان مُختصًّا بهما معًا فإشكاله شديدٌ فَيُرْجَعُ فيه إلى القرائِن والنَّظَرِ الغالِبِ.

وإن روى عن شيخ حديثًا، فجحد الشيخ مَرْوِيَّه:

فإنْ كانَ جَزْمًا كأَنْ يقولَ: كَذَبَ عَلَىَّ، أوْ ما رَويتُ هذا، أو نحوَ ذلك، فإنْ وقَعَ منه ذلك، رُدَّ ذلك الخبرُ لِكَذِبِ واحِدٍ منهما لا بعَيْنِه، ولا يكونُ ذلك قادحًا في واحدٍ منهما للتعارُضِ.

أو كان جَحْدُهُ احتمالًا كأنْ يقولَ: ما أَذْكُرُ هذا أو لا أَعْرِفهُ، قُبِلَ ذلك الحديثُ في الأصحِّ، لأنَّ ذلكَ يُحْمَلُ على نِسيان الشيخ، وقيل: لا يُقْبَلُ (١) لأنَّ الفَرْعَ تَبَعٌ للأَصْلِ في إثباتِ الحديث، بحَيْثُ إذا ثَبَّتَ الأصلُ الحديثَ ثَبتَتْ روايةُ الفَرْعِ، وكذلك ينبغي أن يكونَ فرعًا عليه وتَبَعًا له في التحقيق. وهذا مُتَعَقَّبٌ (٢) فإنَّ عدالةَ الفَرْعِ تقتضي صِدْقَه، وعَدَمُ عِلْمِ الأصلِ لا يُنَافيه، فالمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النَّافي. وأمَّا قياسُ ذلك بالشهادة (٣) فَفَاسِدٌ لأنَّ شهادةَ الفَرْعِ لا تُسْمَعُ مع القُدْرةِ على شهادة الأصل بِخِلافِ الرِّواية فافْتَرقا.

وفِيه أي في هذا النوعِ صَنَّفَ الدَّارقُطْنِيُّ كتابَ "مَنْ حَدَّثَ ونَسِيَ"،


(١) الشافعيةُ وأهلُ الحديثِ على الأول، والحَنَفِيَّةُ على الثاني أَيْ عَدَمِ قَبول الحديثِ، لأنَّ إنكارَ الأصلِ له أَوْقَعَ عِنْدَنا رِيْبَةً في حِفْظِ تلميذه عنه.
(٢) مُتَعَقَّبٌ: مُنْتَقد.
(٣) أي بالشهادةِ على الشهادة، إذا أَنكرَ الشاهِدُ الأصليُّ لم تُقْبَلْ شهادةُ الثاني الذي يَنْقُلُ شهادَته عن الأصلي.

<<  <   >  >>