للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

[١٢ - قول الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام (المتوفى: ٢٢٤)]

قال أبو عبيد في غريب الحديث (٢/ ٧ - ٩): "في حديث النبي عليه السلام حين سأله أبو رزين العقيلي: أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض فقال: «كان في عماء تحته هواء وفوقه هواء».

قوله: في عماء، في كلام العرب السحاب الأبيض ... وإنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم، ولا ندري كيف كان ذلك العماء وما مبلغه. والله أعلم".

وقال الدارقطني في كتابه الصفات (ص: ٦٨ - ٦٩): "حدَّثنا محمد بن مخلد، ثنا العباس بن محمد الدوري قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذكر الباب الذي يروى في الرؤية والكرسي وموضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك عز وجل قدمه فيها فتقول: قط قط، وأشباه هذه الأحاديث فقال: "هذه الأحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم على بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يُفَسَّر هذا ولا سمعنا أحدًا يفسِّره" (١).


(١) قول أبي عبيد هذا يبين أن التفسير المنفي في كلام بعض السلف هو التكييف، ولذلك قال: "ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يُفَسَّر هذا ولا سمعنا أحدًا يفسِّره".
أما المعنى الذي دل عليه الخطاب فقد كان يُثبته ولا ينفيه، وقد تقدم أنه فسّر حديث أبي رزين أن الله تبارك وتعالى كان قبل خلق السموات والأرض في عماء تحته هواء وفوقه هواء. وفسّر الحنان بالرحمة كما في غريب الحديث (٤/ ٤٠٠).
قال الحافظ الذهبي في العلو للعلي الغفار (ص: ١٧٣) بعد ذكره لكلام أبي عبيد هذا: "وقد ألّف كتاب غريب الحديث، وما تعرّض لأخبار الصفات بتفسير، بل عنده لا تفسير لذلك غير موضع الخطاب العربي".
ومما يؤكد أنّ المراد بنفي التفسير هو نفي التكييف أنّ نفي التفسير جاء في بعض عبارات السلف -كما في قول أبي عبيد المتقدم- أثناء الكلام على رؤية الله تعالى، مع كون معنى الرؤية واضحا، وأن المؤمنين يرون ربهم عيانا.
ومما يؤيد ما قلناه أيضًا أنه في بعض الروايات لبعض مرويات السلف جاءت كلمة (الكيف) مكان كلمة (التفسير) فمن ذلك قول الوليد بن مسلم كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي (٣/ ٥٨٢) والشريعة للآجري (٣/ ١١٤٦) والإبانة الكبرى لابن بطة (٧/ ٢٤٢) والعلو للعلي الغفار (ص: ١٣٩ - ١٤٠): سألتُ الأوزاعي ومالك والثوري والليث عن الأحاديث التي فيها الصفات فكلهم قالوا: "أمرّوها كما جاءت بلا تفسير" وفي رواية: "بلا كيف".
ويرِدُ في كلام السلف أيضًا نفيُ التفسير ومرادهم نفي التفسير المذموم الصارف للنص عن ظاهره، وهذا كثير في عباراتهم، ومن ذلك قول محمد بن الحسن كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي (٣/ ٤٨٠): "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسّر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفارق الجماعة؛ فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة، ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه قد وصفه بصفة لا شيء".
فقوله: "فمن فسَّر اليوم شيئًا" المراد به التأويل المخالف للظاهر، بدليل قوله بعد ذلك: "فمن قال بقول جهم"، وجهم مذهبه تأويل آيات وأحاديث صفات الله بما يخالف ظاهرها، كتأويل الاستواء بالاستيلاء.
ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٠٧) قول محمد بن الحسن هذا بلفظ: " ... غير تشبيه ولا تفسير، فمن فسر شيئا منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفارق الجماعة، لأنه وصف الرب بصفة لا شيء".
ومما ورد نفي التفسير والمراد به نفي التأويل المخالف للظاهر قول الترمذي في سننه (٣/ ٤٢): "وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسَّروها على غير ما فسَّر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة".
ومن ذلك أيضًا قول أبي الحسن البربهاري في شرح السنة (ص: ٣١ - ٣٢): "وكل ما سمعت من الآثار شيئا مما لم يبلغه عقلك نحو قول رسول الله صلى الله عليه و سلم: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل»، وقوله: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا»، ... وأشباه هذه الأحاديث فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض والرضا، ولا تفسِّر شيئا من هذه بهواك؛ فإنّ الإيمان بهذا واجب، فمن فسّر شيئا من هذا بهواه وردّه فهو جهمي".
ومما يؤكد استعمال السلف لنفي التفسير ومرادهم نفي التفسير المخالف للظاهر أنه قد جاء عن بعض السلف نفي التفسير في غير باب الصفات، وذلك كبعض أحايث الوعيد، مع كونها معلومة المعنى بالاتفاق، ومن ذلك قول علي بن المديني كما في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي (١/ ١٩٠): "وهذه الأحاديث التي جاءت: «ثلاث من كن فيه فهو منافق» جاءت على التغليظ, نرويها كما جاءت ولا نفسِّرها, مثل: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» , ومثل: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» , ومثل: «سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر» ".
وكقول الإمام أحمد كما في أصول السنة (ص: ٥٦ - ٥٨): " «ثلاث من كن فيه فهو منافق» على التغليظ، نرويها كما جاءت ولا نقيسها، وقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارا ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض»، ... ونحو هذه الأحاديث مما قد صح وحفظ، فإنا نسلِّم له وإن لم نعلم تفسيرها ولا نتكلم فيها ولا نجادل فيها ولا نفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت لا نردها إلا بأحق منها".

<<  <   >  >>