للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

[٧٢ - قول قوام السنة أبي القاسم التيمي الأصبهاني (المتوفى: ٥٣٥)]

قال أبو القاسم الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٣ - ١٨٤): "قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم متواترة في صفات الله تعالى موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف ... وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك، وصدق به المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوما عند العرب غير محتاج إلى تأويله، فقال تعالى: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ... ".

وقال أيضًا (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٥): "قال أهل السنة: الإيمان بقوله تعالى: {الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى}، واجب، والخوض فيه بالتأويل بدعة. قالوا: وهو من الآيات المتشابهات التي ذكرها الله تعالى في كتابه وردّ علم تأويلها إلى نفسه (١)،

وقال: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} فأوجب الإيمان بقوله: {الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى} وبالآيات التي تضارع هذه الآية، ومدح الراسخين في العلم بأنهم يؤمنون بمثل هذه الآيات، ولا يخوضون في علم كيفيتها، ولهذا قال مالك بن أنس رحمه الله عليه حين سئل عن قوله: {الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى} قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

والاستواء في كلام العرب تأتي لمعان ... ومنه الاستواء بمعنى القصد، ويستعمل مع إلى، يقال: استويت إلى هذا الأمر، أي قصدته. قال الله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} أي قصدها، ولا يقال: استوى عليه بمعنى قصده، فمن خالف موضوع اللغة فقد خالف طريقة العرب، والقرآن عربي، ولو كان الاستواء على العرش بمعنى الاستواء إلى العرش لقال تعالى: إلى العرش استوى.

قال أهل السنة: الاستواء هو العلو: قال الله تعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} وليس للاستواء في كلام العرب معنى إلا ما ذكرنا، وإذا لم يجز الأوجه الثلاثة لم يبق إلا الاستواء الذي هو معلوم كونه، مجهول كيفيته، واستواء نوح على السفينة معلوم كونه، معلوم كيفيته، لأنه صفة له، وصفات المخلوقين معلومة كيفيتها. واستواء الله على العرش غير معلوم كيفيته؛ لأن المخلوق لا يعلم كيفية صفات الخالق لأنه غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، ولأنّ الخالق إذا لم يشبه ذاته ذات المخلوق لم يشبه صفاته صفات المخلوق، فثبت أن الاستواء معلوم، والعلم بكيفيته معدوم، فعلمه موكول إلى الله تعالى، كما قال: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللّهُ}.

وكذلك القول فيما يضارع هذه الصفات كقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، وقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حتى يضع الجبار فيها قدمه» وقوله: «إن أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن»، وقوله: «يضع السماوات على أصبع، والأرضين، على أصبع». وأمثال هذه الأحاديث، فإذا تدبره متدبر، ولم يتعصب بان له صحة ذلك وأن الإيمان واجب، وأن البحث عن كيفية ذلك باطل".

وقال (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٨): "وهذا لأنّ اليد في كلام العرب تأتي بمعنى القوة، ... ومنها اليد بمعنى النعمة والصنيعة ... ، وقد تكون اليد بمعنى الملك والتصرف، يقال: هذه الدار في يد فلان، أي في تصرفه وملكه، وهذا أيضا لا يجوز لتثنية اليد، وليس لله تعالى ملكان وتصرفان.

ومنها: اليد التي هي معروفة، فإذا لم تحتمل الأوجه التي ذكرنا لم يبق إلا اليد المعلوم كونها، والمجهولة كيفيتها، ونحن نعلم يد المخلوق وكيفيتها؛ لأنا نشاهدها ونعاينها فنعرفها، ونعلم أحوالها، ولا نعلم كيفية يد الله تعالى، لأنها لا تشبه يد المخلوق، وعلم كيفيتها علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، بل نعلم كونها معلومة لقوله تعالى وذكره لها فقط، ولا نعلم كيفية ذلك وتأويلها".

وقال: (٢/ ٢٧٨): "وهكذا قوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} للوجه في كلام العرب معان منها الجاه والقدر، يقال: لفلان عند الناس وجه حسن، أي: جاه وقدر. وهذا المعنى لا يجوز في هذا الموضع لأنه لا يجوز أن يقال: لله تعالى جاه وقدر عند غيره، فلا يقال: ويبقى جاه ربك، وقدر ربك.

وقد يجيء وجه الشيء بمعنى أوله، قال الله تعالى: {آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ} أي: أول النهار، وهذا أيضاً لا يجوز ها هنا.

ومنها الوجه بمعنى الجهة يقال: أقصد هذا الوجه، أي هذه الجهة. وهذا أيضاً لا يجوز في هذا الموضع

ومنه الوجه المعروف، فإذا لم يجز حمل الوجه على الأوجه التي ذكرناها بقي أن يقال: هو الوجه الذي تعرفه العرب، وكونه معلوماً بقوله تعالى، وكيفيته مجهولة".

وقال (٢/ ٢٧٩): "وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئاً من ذلك إلا ما هو المعروف في كلام العرب، فهو معلوم بالحديث، مجهول الكيفية.

وكذلك القول في الأصبع، والأصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن .. وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون الأصبع معلوماً بقوله صلى الله عليه وسلم، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته".

وقال أيضًا (١/ ٤٨٢): "مَن حمل اللفظ على ظاهره، وعلى مقتضى اللغة حمله على حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفات الله تعالى".

وفي العلو للعلي الغفار (ص: ٢٦٣)، والعرش (٢/ ٤٥٩ - ٤٦٠) كليهما للحافظ الذهبي ما لفظه: "قال الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الطلحي الأصبهاني مصنف الترغيب والترهيب وقد سئل عن صفات الرب؟ فقال: مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأحمد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع والبصر والوجه واليدين وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل.

قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره. ثم قال: أي: هو هو على ظاهره، لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل".


(١) المراد علم كُنه هذه الصفات وكيفيتها، كما يدل عليه قوله بعد سطرين: "ومدح الراسخين في العلم بأنهم يؤمنون بمثل هذه الآيات، ولا يخوضون في علم كيفيتها"، وقوله أيضًا: "فثبت أن الاستواء معلوم، والعلم بكيفيته معدوم، فعلمه موكول إلى الله تعالى، كما قال: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللّهُ} ".
وآيات الصفات تُعتبر من المتشابه من هذا الوجه، أعني حقيقة وكُنه ما أخبر الله ورسوله به.

<<  <   >  >>