للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عظمه في القلوب. وقد قال تعالى في صفة عيسى عليه السلام «وجيها في الدّنيا والاخرة» وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم قد رزق الحشمة، والمكانة في القلوب، والعظمة قبل النبوة عند الجاهلية وبعدها، وهم يكذبونه ويؤذون أصحابه، ويقصدون أذاه في نفسه خفية، حتى إذا واجههم أعظموا أمره، وقضوا حاجته. كما ذكرنا ذلك مرارا، وقد كان يبهت ويفرق لرؤيته «١» من لم يره، كما روي عن قيلة: إنها لما رأته أرعدت من الفرق فقال: «يا مسكينة عليك السكينة» «٢» . وفي حديث أبي مسعود: أنّ رجلا قام بين يديه، فأرعد، فقال له عليه الصلاة والسلام: «هون عليك فإني لست بملك» «٣» .

[قدره ومنزلته ص]

وأما عظيم قدره بالنبوة، وشريف منزلته بالرسالة، وأنافة رتبته «٤» بالاصطفاء والكرامة في الدنيا فأمر هو مبلغ النهاية، ثم هو في الاخرة سيد ولد ادم «٥» .

وأما ما تختلف فيه الحالات في التمدح به، والتفاخر بسببه، والتفضيل لأجله، ككثرة المال. فصاحبه على الجملة معظّم عند العامة، لاعتقادها توصّله به إلى حاجاته، وتمكّنه في أغراضه، وإلّا فليس فضيلة في نفسه، فمتى كان بهذه الصورة، وصاحبه منفقا له في مهماته، ومهمات من قصده وأمّله، تصريفه في مواضعه، مشتريا به المعالي والثناء الحسن، والمنزلة من القلوب. كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا. وإذا صرفه في وجوه البّر، وأنفقه في سبيل الخير، وقصد بذلك الله تعالى والدار الاخرة، كان فضيلة عند الكل بكل حال، ومتى كان صاحبه ممسكا له، غير موجّهه وجوهه، حريصا على جمعه، عاد كثره كالعدم، وكان منقصة في صاحبه، ولم يقف به على جدد السلامة؛ بل أوقعه في هوّة «٦» رذيلة البخل، ومذمّة النذلة «٧» ، فالتمدح بالمال ليس لذاته، بل للتوصّل به إلى غيره، وتصريفه في متصرفاته، ونبينا صلّى الله عليه وسلّم أوتي خزائن الأرض، ومفاتيح البلاد،


(١) رواه الحاكم وصححه.
(٢) أي يدهشه ويفزع.
(٣) طرف من حديث طويل حسن. أخرجه بطوله ابن منده والطبراني في الكبير وغيره. وأخرج الفقرة الأولى منه أبو داود والترمذي في الشمال (أرعدت من الفرق) : رحفت واضطربت من الخوف
(٤) أي رفعتها وظهورها.
(٥) كما في صحيح مسلم قوله صلّى الله عليه وسلّم أنا سيد ولد ادم يوم القيام.
(٦) الهوّة: الحفرة البعيدة القعر.
(٧) السفالة.

<<  <   >  >>