للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

أصلا وَقَالَ تَعَالَى {وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس} فليت شعري أَي مصلحَة لَهُم فِي أَن يذرأهم لِجَهَنَّم نَعُوذ بِاللَّه من هَذِه الْمصلحَة وَقَالَ تَعَالَى {وقهم السَّيِّئَات وَمن تق السَّيِّئَات يَوْمئِذٍ فقد رَحمته} فصح أَنه تَعَالَى هُوَ الَّذِي يقي السَّيِّئَات وَأَن الَّذِي رَحمَه هُوَ الَّذِي وَقَاه السَّيِّئَات لِأَن من لم يقه السَّيِّئَات فَلم يرحمه وَبلا شكّ أَن من وَقَاه السَّيِّئَات فقد فعل بِهِ أصلح مِمَّا فعل بِمن لم يقه إِيَّاهَا هَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى {وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها} {وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا} وَلَا يشك من لدماغه أقل سَلامَة أَو فِي وَجهه من برد الْحيَاء شَيْء فِي إِن هَذَا كَانَ أصلح بالكفار من إدخالهم النَّار بِأَن لَا يؤتهم ذَلِك الْهدى وَإِن كَانُوا كَمَا يَقُولُونَ من دُخُولهمْ الْجنَّة بِغَيْر اسْتِحْقَاق وَقَالَ تَعَالَى {حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون فضلا من الله ونعمة وَالله عليم حَكِيم} فليت شعري أَيْن فعله تَعَالَى بهؤلاء نسْأَل الله أَن يجعلنا مِنْهُم من فعله بالذين قَالَ فيهم أَنه ختم على قُلُوبهم وزين لَهُم سوء أَعْمَالهم وَجعل صُدُورهمْ ضيقَة حرجة إِن من سَاوَى بَين الْأَمريْنِ وَقَالَ أَن الله تَعَالَى لم يُعْط هَؤُلَاءِ إِلَّا مَا أعْطى هَؤُلَاءِ وَلَا أعْطى من الْهدى والاختصاص مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وَيحيى وَالْمَلَائِكَة عَلَيْهِم السَّلَام إِلَّا مَا أعْطى إِبْلِيس وَفرْعَوْن وَأَبا جهل وَأَبا لَهب وَالَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس والمتقيلين وَالشّرط والبغائيين والعوهر وَثَمُود الَّذين جابوا الصخر بالواد وَفرْعَوْن ذِي الْأَوْتَاد الَّذين طغوا فِي الْبِلَاد فَأَكْثرُوا فِيهَا الْفساد بل سوى فِي التَّوْفِيق بَين جَمِيعهم وَلم يقدر لَهُم على مزِيد من الصّلاح لقَلِيل الْحيَاء عديم الدّين وَمَا جَوَابه إِلَّا قَوْله تَعَالَى {إِن رَبك لبالمرصاد} وَقَالَ عز وَجل {كَانَ النَّاس أمة وَاحِدَة فَبعث الله النَّبِيين مبشرين ومنذرين}

قَالَ أَبُو مُحَمَّد فأيما كَانَ أصلح للْكفَّار المخلدين فِي النَّار أَن يَكُونُوا مَعَ الْمُؤمنِينَ أمة وَاحِدَة لَا عَذَاب عَلَيْهِم أم بعثة الرُّسُل إِلَيْهِم وَهُوَ عز وَجل يدْرِي أَنهم لَا يُؤمنُونَ فَيكون ذَلِك سَببا إِلَى تخليدهم فِي جَهَنَّم وَقَالَ تَعَالَى {وأملي لَهُم أَن كيدي متين} وَقَالَ تَعَالَى {وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا إِنَّمَا نملي لَهُم خير لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَلَهُم عَذَاب مهين} وَقَالَ تَعَالَى {أيحسبون إِنَّمَا نمدهم بِهِ من مَال وبنين نسارع لَهُم فِي الْخيرَات بل لَا يَشْعُرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ}

قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا غَايَة الْبَيَان فِي أَن الله عز وَجل أَرَادَ بهم وَفعل بهم مَا فِيهِ فَسَاد أديانهم وهلاكهم الَّذِي هُوَ ضد الصّلاح وَإِلَّا فَأَي مصلحَة لَهُم فِي أَن يستدرجوا إِلَى الْبِلَاد من حَيْثُ لَا يعلمُونَ وَفِي الْإِمْلَاء لَهُم ليزدادوا إِثْمًا وَنَصّ تَعَالَى إِن كل ذَلِك الَّذِي فعله لَيْسَ مسارعة لَهُم فِي الْخَيْر فَبَطل قَول هَؤُلَاءِ الهلكى جملَة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذا أردنَا أَن نهلك قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا فَحق عَلَيْهَا القَوْل فدمرناها تدميراً} فَهَل بعد هَذَا بَيَان فِي أَن الله عز وَجل أَرَادَ هلاكهم ودمارهم وَلم يرد صَلَاحهمْ فَأمر مُتْرَفِيهَا بأوامر خالفوها ففسقوا فدمروا تدميراً فأيما كَانَ أصلح لَهُم أَن لَا يؤمروا فيسلموا أَو أَن يؤمروا وَهُوَ تَعَالَى يدْرِي أَنهم لَا يأتمرون فَيدْخلُونَ النَّار فَإِن قَالُوا فاحملوا قَوْله تَعَالَى أمرنَا مُتْرَفِيهَا على ظَاهره قُلْنَا نعم هَكَذَا نقُول وَلم يقل تَعَالَى أَنه أَمرهم بِالْفِسْقِ وَإِنَّمَا قَالَ تَعَالَى أمرناهم فَقَط وَقد نَص تَعَالَى

<<  <  ج: ص:  >  >>