للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ويؤكد ابن بسام على التزامه بالترجمة لأدباء القرن الذي عاشه دون سواه من العصور السابقة إيمانًا منه بالتخصص، والتخصص سبيل الإجادة، فيقول: "ولم أعرض لشيء من أشعار الدولة المروانية، ولا المدائح العامرية، إذ كان ابن فرج الجياني قد رأى رأيي في النصفة، وذهب مذهبي في الأنفة، فأملى في محاسن أهل زمانه "كتاب الحدائق" معارضًا "كتاب الزهرة" للأصبهاني، فأضربت أنا عما ألف، ولم أعرض لشيء مما صنف، ولا تعديت أهل عصري، ممن شاهدته بعمري، أو لحقه بعض أهل دهري، إذ كل مردد ثقيل، وكل متكرر مملول"١.

وإذن فإن إحدى خواص كتاب الذخيرة أنه متخصص في قرن بعينه، هو القرن الخامس وهو أزهى عصور الأندلس في الأدب والعلم والثقافة، وقد كتب الفتح بن خاقان كتابه قلائد العقيان على النهج نفسه أي في زمان بعينه، والحق أن كثيرًا مما ضمنه ابن بسام كتابه قد نسبه إليه الفتح بن خاقان في القلائد، ومن ثم فإن ابن بسام لم يلتزم الشعار الذي أطلقه حين قال: "كل مردود مرذول" غير أن نظرة ابن بسام أوسع وأرحب وتناوله أدق وأعمق وتبدو الموضوعية واضحة في معانيه ومراميه، كما أنه متسم بالحيدة في أحكامه على قدر اجتهاده وليس كذلك ابن خاقان في قلائده.

ثانيًا: يحمل الكتاب مسحة تاريخية على جانب كبير من الفائدة، ولا تتأتى هذه الفائدة من ناحية كون التاريخ والأدب كلاهما مكمل الآخر، ولكن من ناحية اعتماد ابن بسام في أخباره التاريخية على كتاب "المتين" لابن حيان، ويذكر ابن بسام ذلك صراحة منه وأمانة: فيقول: وعولت في ذلك على تاريخ أبي مروان ابن حبان فصوله، وأوردت جمله وتفاصيله٢ وبذلك يكون ابن بسام قدم إلى دارسي الأدب مادة ثمينة، وإلى دارسي التاريخ مجمل كتاب نفيس مفقود.

ثالثًا: عمد ابن بسام في كتابه إلى إظهار فضل الأندلسيين في الأدب نثرًا وشعرًا مع تحمس شديد لهم -وهو في ذلك صاحب حق- غير أنه حاول أن ينال من المشارقة برفق وأن يكبح جماح قومه، ويقلل من حماسهم نحو الاقتصار على الاهتمام بأدب المشارقة وحدهم، وهو يظهر غيرة شديدة غير محمودة في هذا المقام، فإذا كان الأندلسيون قد بلغوا مرتبة سامية من المكانة في دنيا الأدب، فإن ذلك لا يعني الانصراف عن أدب المشارقة، ومن ثم فلقد كان ابن بسام مصيبًا في التحمس لأدب قومه، مخطئًا في محاولة التقليل من


١ مقدمة الذخيرة "ص٢".
٢ المصدر السابق "ص٧".

<<  <   >  >>