للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المقامات وأعظمها وأجلها، وفي مقام الدعوة إلى الله قال سبحانه: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) [الجن: ١٩].

وفي مقام الإسراء قال سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) [الإسراء: ١] ولا شك أن مقام الإسراء مقام تشريف كذلك.

فالشرف المروم لمن استكمل تحقيق العبودية، ولا يكون تحقيقها إلا مع كمال الذل والخضوع

والافتقار لله الواحد القهار، والعبودية المتعلقة بربوبية الله هي العبودية العامة التي تشمل جميع الخلائق مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم.

فإذا علم العبد أن له ربًّا وخالقًا ورازقًا ومدبرًا لكل شؤونه، وأنه فقير إليه -عرف تلك العبودية العامة المتعلقة بربوبيته سبحانه، وَقد يعبده مَعَ ذَلِك وَقد يعبد غيره من الأصنام والأوثان، وإن لم يقرّ بها فهو داخل تحتها شاء أم أبى، لأنها شاملة له قهرًا وغلبة.

والعبودية العامة التي هي عبودية القهر والغلبة، لا تكفي للدخول في الإسلام، فقد أقر بها كفار قريش ومع ذلك قاتلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- واستحل دماءهم وأموالهم وسبى ذريتهم ونساءهم، ذلك لأنهم لم يقروا بالعبودية الخاصة، وهي عبودية الألوهية التي توجب تحقيق التوحيد وصرف العبادة كلها لله، ربنا في ذلك: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].

فهم قد أقروا بربوبيته سبحانه وأقروا أنه تعالى هو الخالق قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لُقْمَان: ٢٥]، فهذا إقرار صريح بربوبيتهم لربهم، ومع ذلك لم ينفعهم إقرارهم بالربوبية لعدم تحقيق توحيد الألوهية، قال الله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) [يوسف: ١٠٦]. لأنهم مع ذلك يعْبدُونَ الاصنام والأوثان، ولم يصرفوا العبادة للإله الواحد الملك الديان.

أما العبودية المتعلقة بألوهيته سبحانه فهي العبودية الخاصة المتعلقة بعبادته سبحانه وتأليهه وتوحيده وإخلاص الوجه له وقصده وحده بالعبادة دون ما سواه، خوفُا وطمعًا، رغبًا ورهبًا.

<<  <   >  >>