للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الحظوة، وكان لهم في ظل الدولة العامرية قسط بارز من النفوذ والسلطان، وعلى الرغم من أنهم نالوا قسطهم من أسلاب الخلافة، وقامت لهم في عهد الطوائف عدة من الدول القوية، بلغت في ظل بني حمّود مرتبة الخلافة، فإنهم في ظل المرابطين، يبسطون لأول مرة سلطانهم كاملا على الأندلس، ويستأثرون فيها بالحكم والسيادة، وتختفي خلال ذلك رياسة الأسر والزعامات الأندلسية. أجل إن عهد المرابطين بالأندلس لم يكن طويل الأمد. ذلك أنه لم يدم أكثر من زهاء نصف قرن. ولكن سلطان البربر على الأندلس يمتد بعد انتهاء الدولة المرابطية، على يد وريثتها الدولة الموحدية، أكثر من قرن آخر. وفي وسع المؤرخ أن يلاحظ ما بين هذين العهدين، من أوجه التماثل التي تجمع بينهما، وأن يلاحظ في نفس الوقت أوجه الخلاف والتناقض التي تباعد بينهما، وتسبغ على كل منهما خواصه ومميزاته.

إن المرابطين والموحدين، ينتمي كلاهما إلى طائفة من تلك القبائل البربرية، التي أخذت على كر العصور في حكم المغرب وسيادته بأوفر نصيب، فالمرابطون ينتمون بالأخص إلى لمتونة وكدالة ومسّوفة، وينتمي الموحدون بالأخص إلى هرغة ومصمودة وهنتانة وكومية. وقد نشأت كلتا الدولتين، المرابطية والموحدية، في ظروف متشابهة، كأنما رسمت لكل منهما على نسق واحد، فكلتاهما قامت على أسس دينية، وعلى يد فقيه وداعية متعصب؛ فكان داعية الدولة المرابطية، الفقيه عبد الله بن ياسين، وكان داعية الدولة الموحدية، المهدي محمد بن تومرت، وتحولت كلتاهما إلى ملك سياسي على يد زعيم موهوب وقائد بارع، فكان زعيم الدولة المرابطية الذي وطد دعائمها، وشاد ملكها السياسي، يوسف بن تاشفين، وكان قرينه عبد المؤمن بن علي، هو الذي وضع أسس الدولة الموحدية، ووطد دعائمها. واستطاعت الدولة الموحدية، بعد أن قضت على الدولة المرابطية، أن تسيطر على نفس الرقعة الإقليمية الشاسعة، التي كانت تحتلها، سواء في المغرب أو الأندلس، وإن كانت الأندلس لم تخلص للموحدين إلا بعد فترة من الصراع المحلي، ولاسيما ضد الثورة في شرقي الأندلس.

وفضلا عن ذلك، فقد كانت تجمع بين الدولتين، بالنسبة للأندلس، إذا أغضينا عن العوامل الإقليمية والسياسية، التي كانت تحرك هاتين الدولتين، إلى بسط سيادتهما على هذا الإقليم الغني الساحر - كانت تجمع بينهما فكرة الجهاد،

<<  <  ج: ص:  >  >>