للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأضخمها رقعة، وأعظمها قوة وسلطاناً، هي الدولة الموحدية الكبرى.

ولقد كانت حركة ابن تومَرت هي الثانية من نوعها في المغرب الإسلامي، وكانت الأولى هي حركة الشيعة، التي أسفرت عن قيام الدولة الفاطمية في إفريقية (تونس)، والتي كان زعيمها الروحي وأول خلفائها عبيد الله يتشح كذلك بثوب المهدي المنتظر. وبالرغم من أن الدولة الفاطمية قد انتقلت بعد ذلك إلى مصر، فإن نشاطها وفتوحاتها، وسلطانها الروحي والسياسي، قد استمرت بالمغرب ردحاً من الزمن، على يد ولاتها من القبائل البربرية، التي كانت هي المادة الآدمية التي استندت إليها في قيامها وتوطدها بالمغرب.

بيد أن حركة المهدي ابن تومرت هي حركة مغربية مستقلة، لم تنبعث كما هو الشأن في قيام الدولة الفاطمية، من الدعوة الشيعية المشرقية، وإن كانت مع ذلك تستند إلى نظرية المهدي المنتظر، وهي بذلك تمتاز بتخصصها القوي وصبغتها المحلية البربرية العميقة، كما تمتاز بأساسها الديني الواضح، الذي انبعثت منه، قبل أن تتطور بسرعة إلى حركة سياسية، يتزعمها الإمام المعصوم والمهدي المنتظر، وهي تتجه في خصومتها المذهبية إلى الصراع المحلي المحض، وتستمد لمقوماتها العوامل الدينية المحلية، التي اختص بها المغرب منذ عصور.

ثم هي فوق ذلك تمثل معركة قومية داخلية، تضطرم بين فريقين من القبائل البربرية، تستظل كل منهما بشعارها الديني الخاص. فقد رأينا كيف قام المرابطون في البداية للجهاد في سبيل الله، وإحياء السنة ومحاربة البدع والضلالات، والانحراف عن أحكام الإسلام، وقد كان يومئذ يسود كثيراً من القبائل البربرية، ثم رأينا كيف استقرت رياسة الدولة المرابطية في قبيلة لمتونة، وحليفاتها كدالة ومسُّوفه وغيرها من بطون صنهاجة. وكذلك فإن حركة ابن تومرت، قامت في البداية على شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبدأت رياسته السياسية في وطنه بالسوس الأقصى، وفي قبيلته هَرْغة، وغيرها من بطون مَصْمودة، وإذن فقد كانت المعركة بين المرابطين والموحدين، تصطبغ في نفس الوقت بالصبغتين الدينية والقومية.

- ١ -

في أواخر سنة ٥١٤ هـ (١١٢٠ م) وقعت بمدينة مراكش أول بادرة مؤذنة ببداية الثورة الدينية التي اضطلع بها محمد بن تومرت ضد الدولة المرابطية.

<<  <  ج: ص:  >  >>