للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

دون تغيير، فإنه يلاحظ أن الجموع الوافدة على المملكة الإسلامية الجديدة، كانت تضم كثيراً من العناصر التى صقلتها حضارة أرقى، ومن ثم فإنه يمكن القول بأن الأمة الإسلامية الجديدة، كانت تمثل أطيب وأثمن ما بقى من القيم العنصرية والحضارية للأندلس القديمة.

وكان المولدون يمثلون فى المجتمع الأندلسى الجديد مثولا قوياً. وكان أولئك المولدون قد نموا بمضى الزمن حتى غدوا عنصراً هاماً بين سكان الأمة الأندلسية. وكان العرب والبربر ينظرون إليهم وبشىء من الريب. وكانوا بالرغم من تمتعهم فى ظل الحكومات الإسلامية المتعاقبة بنفس الحقوق التى يتمتع بها باقى المسلمين، ينزعون إلى الثورة فى أحيان كثيرة، وقد كان لهم شأن يذكر، فى إضرام بعض الثورات الخطيرة التى اضطرمت ضد حكومة قرطبة، مثل ثورة الربض، وثورة طليطلة أيام الحكم بن هشام، وثورة بنى قسىّ فى الثغر الأعلى، وقد كان جدهم الكونت قسىّ قوطياً نصرانياً. وكان المولدون أعوان ابن حفصون أعظم وأخطر ثوار الأندلس، وهو الذى استطاع بمؤازرتهم ومؤازرة النصارى المعاهدين، أن ينشىء مدى حين مملكة مستقلة فى منطقة رندة (أواخر القرن التاسع الميلادى). وكان ابن حفصون مولداً يرجع إلى أصل نصرانى. على أن المولدين كان لهم موقف آخر ضد الغزاة القادمين من إفريقية. فقد وقفوا إلى جانب مواطنيهم الأندلسيين ضد المرابطين ثم الموحدين، وكان عماد الثورة ضد المرابطين فى غربى الأندلس زعيم من المولدين هو الفقيه المتصوف أحمد بن قسىّ شيخ المريدين، وكان زعيم الثورة ضد الموحدين فى شرقى الأندلس زعيم من المولدين هو محمد بن سعد بن مردنيش أمير بلنسية ومرسية. وكان يتحدث القشتالية ويلبس الملابس الإفرنجية، ويحشد فى جيشه كثيراً من الضباط والجند النصارى (١). ولم يكن للعاطفة الدينية فى تلك العصور وفى تلك الظروف دائماً كبير أثر، بل كانت تغلب فى معظم الأحيان عواطف القومية والمصلحة الخاصة. ويبدو ذلك بنوع خاص فى سياسة زعيم مثل ابن مردنيش كانت سياسته تقوم على مصادقة النصارى، والاستعانة بهم على تنفيذ خططه (٢). كذلك كان يمثل بين سكان غرناطة أقلية يهودية قوية، معظمهم من طائفة " السفرديم " القديمة أو اليهود الإسبان. وكان لليهود فى ظل معظم


(١) الإحاطة ج ٢ ص ٨٧.
(٢) Dr. Lea: History of the Inquisition, V. I. p. ٥٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>