للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفرنج في الثغر القوطي قد تحركوا، وأغاروا على أطراف الثغر الأعلى، بقيادة أميرهم برنهارت صاحب برشلونة، وهو ولد جيوم دوق تولوز، فسير عبد الرحمن إلى الشمال جيشاً كبيراً بقيادة عبيد الله بن عبد الله البلنسي، فاخترق الثغر الأعلى إلى أراضي الفرنج (٢١٢هـ - ٨٢٧ م) واجتاح ولاية قطلونية، وهزم الفرنج في عدة مواقع، وسار حتى جرُندة (جيرونة)، ولكنه لم يحاول أن يحرز فتوحاً ثابتة، فارتد إلى الجنوب بَعد أن مزق شمل النصارى في تلك الأنحاء (١).

وشغلت عبد الرحمن في الأعوام التالية عدة ثورات محلية خطيرة، وكانت الفتنة تضطرم في نفس مواطنها، القديمة، في طليطلة، وماردة، حيث كانت عناصر الخروج والثورة تحتشد وتعمل بعيدة عن العاصمة، ممتنعة بالوهاد والوعر، قريبة من النصارى، تتلقى منهم الوحي والعون في أحيان كثيرة. ففي ماردة ثار البربر بقيادة زعيمين من زعمائهم هما محمود بن عبد الجبار بن راحلة، وهو من بني طريف من مصمودة، وسليمان بن مرتين، وانضم إليهم النصارى المعاهدون. وألفى لويس ملك الفرنج فرصة جديدة للدس والتحريض على حكومة قرطبة، فبعث إلى الثوار يشجعهم ويعدهم بالمدد والعون (٢). وكان محمود زعيماً قوياً ومغامراً جريئاً، فوثب بعامل ماردة وقتله، وعاث في تلك الأنحاء قتلاً ونهباً وتخريباً، وتوالت إليه بعوث عبد الرحمن، فكان في كل مرة يعتصم بالمدينة، فإذا غادره الجند عاد إلى عيثه وسفكه. وفي سنة ٢١٨هـ (٨٣٣ م) سار إليه عبد الرحمن بنفسه، فغادر ماردة في صحبه ومعه زميله سليمان، وخرجت مع محمود أخته جميلة العذراء، وهي فارسة بارعة الحسن، اشتهرت يومئذ في جميع أنحاء الأندلس برائع جمالها، كما اشتهرت بالشجاعة والنجدة والفروسية، ولقاء الفرسان ومبارزتهم (٣)، ونزل الثوار بحصن فرنكش على ضفة نهر وادي يانة. ثم غادر سليمان زميله، واستقل محمود بالعمل، وزحف في جموعه على بطليوس، ثم على أكشونبة (٤) ثم سار إلى باجة، فقاتَلَه أهلها، ولكنه تغلب عليهم بمعاونة أخته جميلة، وبسط محمود سلطانه على


(١) البيان المغرب ج ٢ ص ٨٥؛ ومخطوط ابن حيان ص ١٨٠.
(٢) Scott: ibid , Vol.I.p. ٤٨٢
(٣) جمهرة أنساب العرب لابن حزم (القاهرة) ص ٤٦٦.
(٤) بطليوس بالإسبانية Badajoz، وأكشونبة Ocsonoba

<<  <  ج: ص:  >  >>