للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأخرى، تضطر دائماً إلى مضاعفة الجهود للذود عن حياتها، والدفاع عن استقلالها ضد مختلف الأطماع المضطرمة من حولها.

وكانت مملكة سرقسطة، قبل اضطرام الفتنة وانهيار الخلافة، وقبل أن تنتظم في سلك ممالك الطوائف، تعرف بولاية الثغر الأعلى، وهو يشمل في الجغرافية الأندلسية، مدينة سرقسطة وأعمالها، تطيلة، ووشقة، وبربشتر، ولاردة، وأفراغة، وطرّكونة، وطرطوشة، ويشغل المنطقة الواسعة الخصبة التي يخترقها نهر إيبرو (إبرُه) من مصبه عند مدينة طرطوشة، حتى مدخله عند مدينة قلهرّة في ولاية نافار، ويخترقها فرعه الشمالي الكبير نهر سجري والأفرع الصغيرة الممتدة منه نحو بربشتر ووشقة، وفرعه الجنوبي خالون حتى قلعة أيوب ودَروقة: ففي هذه المنطقة الشاسعة التي تكثر فيها الوديان اليانعة والمواقع الاستراتيجية، كانت تقوم مملكة سرقسطة مكان ولاية الثغر الأعلى القديمة، مشتملة على سائر نواحيها.

وقد لبثت ولاية الثغر الأعلى خلال القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) مسرحاً لمغامرات بني قسيّ زعماء الثغر المولدين، حسبما فصلنا ذلك في مواضعه من العصر الأول (١).

وفي أواخر هذا القرن، في عهد الأمير عبد الله بن محمد، استطاع بنو تجيب أصحاب دروقة وقلعة أيوب من أعمال الثغر الجنوبية، الاستيلاء على مدينة سرقسطة، وذلك على يد زعيمهم أبي يحيى محمد بن عبد الرحمن التجيبي المعروف بالأنقر. وأقره الأمير عبد الله على حكم سرقسطة وأعمالها اكتساباً لولائه، وكان بنو تجيب هؤلاء من زعماء البيوتات العربية العريقة في الثغر، واستمر بنو تجيب في سرقسطة، والمنتزون من زعماء المولدين في باقي قواعد الثغر مثل تطيلة ووشقة، أحياناً على ولائهم لحكومة قرطبة، وأحياناً يخرجون على طاعتها، حتى استطاع الناصر أن يقضي على ثوراتهم، وأن يرغمهم على الخضوع والطاعة، بيد أنه عفا عن بني تجيب، ورد زعيمهم محمد ابن هشام التجيبي إلى منصبه حاكماً لسرقسطة، لما كان يتمتع به من مقدرة إدارية، ولما كان لبني تجيب في الشمال من العصبة والأنصار.


(١) راجع " دولة الإسلام في الأندلس " (العصر الأول).

<<  <  ج: ص:  >  >>