للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والنسخُ: رَفْعُ تَعَلُّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخِّرٍ عنه.

والناسخُ ما دلَّ على الرفع المذكور.

وتسميتهُ ناسخًا مجازٌ لأنَّ الناسخَ في الحقيقة هو اللهُ تعالى.

ويُعْرَفُ النسخُ بأمور:

أَصْرَحُها ما ورد في النص كحديث بُرَيْدَةَ في صحيح مُسْلِمٍ (١): "كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبورِ فَزُورُوها فإنها تُذَكِّرُ الآخرةَ".

ومنها ما يَجْزِمُ الصحابيُّ بأنه مُتَأخِّرٌ، كقول جابرٍ: "كان آخرُ الأمرينِ من رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تركَ الوضوءِ ممّا مَسَّتِ النار" أخرجه أصحابُ السُّنَن (٢).

ومنها ما يُعْرَفُ بالتاريخ وهو كثير (٣).

وليس منها ما يرويه الصحابيُّ المتأخِّرُ الإسلامِ مُعَارِضًا لِمُتَقَدِّمٍ عنه، لاحتمال أنْ يكونَ سَمِعَهُ من صحابىٍّ آخَرَ أقْدَمَ من المتقدِّم المذكور أو مِثْلِهِ فأرْسَلَهُ، لكنْ إنْ وقَعَ التصرِيحُ بسماعه له من النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيتجه أن يكونَ ناسِخًا بشرطِ أنْ يكونَ لم يَتحمَّلْ عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شيئًا قبلَ إسلامه.


(١) ٣: ٦٥ وأبو داود: ٣: ٢١٨ والترمذي: ٣: ٣٧٠ والنسائي: ٨: ٣١٠ - ٣١١ وابن ماجه: ١: ٥٠١. واللفظ المذكور قريب لابن ماجه، ليس في مسلم "فإنها. . . .".
(٢) أبو داود: ١: ٤٩ والنسائي: ١: ٩٠. وصححه ابن خزيمة وابن حِبّان وغيرهما.
وله شواهد كثيرة.
(٣) ذكروا مثالًا له حديثَ أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "أَفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ". أخرجه أبو داود: ٢: ٢٠٨ وابن ماجه: ١: ٥٣٧ عن شداد بن أوس، وأبو داود عن ثوبان، والترمذي: ٣: ١٤٤ عن رافع بن خديج وصححه. مع حديث ابن عباس "أنّ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- احتجَمَ وهو مُحرِمٌ صائِمٌ" البخاري في الطب: ٧: ١٢٥. والترمذي ٣: ١٤٦ - ١٤٧ وصحَّحه.
بيَّنَ الشافعي أنَّ الثاني ناسِخٌ للأول، لأنه روي في حديث شدَّاد أنه كان عامَ الفتح، وفي حديث ابن عباس "مُحرِمٌ صائِمٌ" وهذا كان في حَجَّة الوداع، وهي بعد الفتح، فيكون الثاني ناسخًا للأول.

<<  <   >  >>