للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولهذا قال الغزالي: " منشأُ الإشكال بيانُ حدِّ المناسبة، والإخالةُ عبارةٌ عنها" (١).

وإذا كانت " الإخالة " تُطْلَق على " المناسبة " المقبولة فلا اعتراضٍ حينئذٍ على المعنى الذي هو محلُّ وفاق، وتبقى التسمية اصطلاح، ولا مشاحةَ في الاصطلاح.

فإذا اتضح أن الجمهور والحنفية لا يقبلون في المناسبة إلا الوصف " الملائم" الذي اعتبر الشارعُ نوعَه في نوعِ الحُكْم أو جنسِه، أو اعتبر جنسه في جنس الحُكْم أو نوعه، وأنهم اتفقوا على عدم قبول الوصف " الغريب " الذي لم يثبت بنصٍّ أو إجماعٍ اعتبارُ عينهِ في جنسِ الحُكْم، ولا جنسِه في جنسِ الحُكْم أو عينهِ، كما أنهم اتفقوا على عدم قبول الوصف " معلوم الإلغاء " الذي شهد الشرع بإبطاله، وأن ... " المناسب المرسل " أو" المرسل الملائم " الذي لم يشهد له دليلٌ معينٌ بالإلغاء أو الاعتبار وهو ملائمٌ لتصرفات الشارع في الجملة معمولٌ به في جميع المذاهب الأربعة، فإنه حينئذٍ لا خلاف حقيقي بين الجمهور والحنفية في اعتبار مسلك المناسبة دليلاً تثبت به العِلِّية.

وعلى فرض تسليم الخلاف في " المناسب المرسل " فإن المصلحة المرسلة تعتبر دليلاً مستقلاً عن قياس العِلَّة، ولذلك سمَّوْها مصلحةً مرسلةً، ولم يسمُّوها قياساً؛ لأن القياس يرجع إلى أصلٍ معين، بخلاف هذه المصلحة، فإنها لا ترجع إلى أصلٍ معين، بل رأينا الشارع اعتبرها في مواضع من الشريعة فاعتبرناها حيث وجدت لِعلْمنا أن جنسها مقصودٌ له (٢).

وقد تُسَمَّي المصلحة المرسلة " بالقياس الكلي"، مع ما في ذلك من تكلُّفٌ ظاهر.

قال الغزالي: " كلُّ مصلحةٍ ملائمةٍ فيتصور إيرادها في قالب قياس بجمعٍ متكلَّفٍ يعتمدُ التسويةَ في قضيةٍ عامةٍ لا تتعرَّض لعين الحكم" (٣).


(١) شفاء الغليل: (١٤٣).
(٢) شرح الكوكب المنير: (٤/ ١٧٠).
(٣) شفاء الغليل: (٢١٧).

<<  <   >  >>