للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

" اعرف الأشباه والأمثال ثم قِس الأمور برأيك " (١).

ومن ذلك قول علي - رضي الله عنه - في حدِّ شارب الخمر: " «إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدُّوه حدَّ المفترين» (٢) وفيه قياس حدِّ الشارب على القاذف (٣).

قال الآمدي: " إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تُحصَى، وذلك يدل على أن الصحابة مثَّلوا الوقائع بنظائرها وشبَّهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعضٍ في أحكامها، وأنه ما من واحدٍ من أهل النظر والاجتهاد منهم إلا وقد قال بالرأي والقياس, ومن لم يوجد منه الحُكْم بذلك فلم يوجد منه في ذلك إنكار، فكان إجماعاً سكوتياً وهو حُجَّةٌ مغلَّبَةٌ على الظنَّ، وإنما قلنا إنهم قالوا بالرأي والقياس في جميع هذه الصور، وذلك لا بدَّ لهم فيها من مستندٍ وإلا كانت أحكامهم بمحض التشهي والتحُكُّم في دين الله من غير دليل، وهو ممتنع، وذلك المستند يمتنع أن يكون نصَّاً، وإلا لأظهر كلُّ واحدٍ ما اعتمد عليه من النصّ ; إقامةً لعذره وردَّاً لغيره عن الخطأ بمخالفته على ما اقتضته العادة الجارية بين النُّظَّار، ولأن العادة تحيل على الجمع الكثير كتمان نصٍّ دعت الحاجة إلى إظهاره في محلِّ الخلاف, وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا على حُكْمٍ في واقعةٍ بناءً على نصّ، فإنه لا يمتنع اتفاقهم على عدم نقله بناءً على الاكتفاء في ذلك الحُكْم بإجماعهم، ولو أظهروا تلك النصوص واحتجُّوا بها لكانت العادة تحيل عدم نقلها، فحيث لم تُنْقَل دلَّ على عدمها، وإذا لم يكن نصَّاً تعيَّن أن يكون قياساً واستنباطاً" (٤).

والقياس يقتضي ردَّ الواقعات فيما لانصَّ فيه إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم مما فيه نصّ , وهو امتثالٌ لقوله تعالى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: ٥٩].


(١) ينظر: قواطع الأدلة (٤/ ٤٣)، الإحكام للآمدي (٤/ ٥٣)، المستصفى (٣/ ٥١٥)، المحصول (٥/ ٥٤) , العدة (٥/ ١٢٩٧ - ١٢٩٨).
(٢) أخرجه الحاكم في " مستدركه " (٤/ ٣٧٥)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٣) ينظر: فواتح الرحموت (٢/ ٣٦٦).
(٤) الإحكام: (٤/ ٥٥ - ٥٦).

<<  <   >  >>