للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأراد يوسف في أواخر حياته، وبعد أن تم له افتتاح الأندلس، أن يؤثل ملكه، وأن يطمئن لمصاير دولته العظيمة، وذلك باختيار ولي عهده. وكان ليوسف من البنين خمسة هم، أبو بكر سير، وعلي، وتميم، والمعز، وإبراهيم، ومن البنات ثلاث هن كوتة ورقية وتميمة (١). وكان أبو بكر أكبر بنيه وولي عهده فيما يظهر، وقد استخلفه أبوه على المغرب حينما عبر البحر لأول مرة إلى الأندلس، في شهر ربيع الأول سنة ٤٧٩ هـ، استجابة لصريخ الطوائف. ولما انتهت معركة الزلاّقة بظفر المسلمين الباهر، وارتدت الجيوش المرابطية إلى إشبيلية في طريقها إلى العودة، تلقي يوسف نبأ وفاة ولده أبى بكر، وكان قد تركه مريضاً في سبتة، ويقول لنا صاحب القرطاس، إن هذا النبأ المحزن. وصل إلى يوسف في يوم النصر ذاته (٢). وكان هذا الحادث سبباً في تعجيل يوسف بالعودة، بل يقال لنا أيضاً إنه كان سبباً في إحباط خطط يوسف، وتركه كل فكرة في مطاردة الجيوش النصرانية المنهزمة (٣).

وفي سنة ٤٩٥ هـ (١١٠١ م)، قرر يوسف أمره في ولاية عهده، ووقع اختياره في ذلك على ولده أبى الحسن علي، ولم يكن علي أكبر أولاده، إذ كان أكبرهم عندئذ، أبو الطاهر تميم، ولكنه آثر علياً لما آنسه فيه من الورع والنباهة والحزم، وأصدر مرسومه بولايته لعهده في نفس العام، وإليك نص هذا المرسوم بعد الديباجة، وهو من إنشاء الوزير الفقيه أبى محمد بن عبد الغفور، وقد كان من أعلام البلاغة في هذا العصر:

" أما بعد فإن أمير المسلمين، وناصر الدين، أبا يعقوب يوسف بن تاشفين، لما استرعاه الله على كثير من عباده المؤمنين، خاف أن يسأله الله غدا عما استرعاه، كيف تركه هملا لم يستنب فيه سواه. وقد أمر الله بالوصية فيما دون هذه العظيمة، وجعلها من أوكد الأشياء الكريمة، كيف في هذه الأمور العائدة بمصلحة الخاصة والجمهور. وأن أمير المسلمين بما لزمه من هذه الوظيفة، وخصه الله بها من


(١) كانت الأميرة تميمة بنت يوسف بن تاشفين تشتهر بجمالها، ورجاحة عقلها، وأدبها، وكانت تنظم الشعر الجيد. سكنت فاس مدة (ابن الأبار في التكملة، وجذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام بمدينة فاس، ص ١٠٥ و ١٠٦).
(٢) روض القرطاس ص ٩٨.
(٣) F. Codera: Decadencia y Disparicion de los Almoravides en Espana (Zaragoza ١٨٩٩) p. ٢

<<  <  ج: ص:  >  >>