للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأن ابن تومرت، رجا الإمام عندئذ أن يدعو الله أن يكون ذلك على يده، فاستجاب الإمام، ودعا الله بذلك (١).

وينقض هذه الواقعة من أساسها، أن قرار المرابطين بحرق كتاب " الإحياء " قد صدر لأول مرة في سنة ٥٠٣ هـ في أوائل عهد علي بن يوسف، وذلك حسبما يخبرنا ابن القطان، أعني بعد أن غادر الغزالي بغداد إلى نيسابور لآخر مرة، وقبيل وفاته بنحو عام. فأين إذن ومتى كان لقاء ابن تومرت به؟ وكيف نستطيع إزاء هذه المفارقات الزمنية، أن نصدق تلك القصة التي نسجت حول حرق كتاب الإحياء؟

هي أسطورة إذن، نسجت كما نسجت نسبة ابن تومرت إلى آل البيت، لتغدو هالة تحيط بشخصه وسيرته، وتذكي عناصر الخفاء القدسية، حول شخصه وإمامته. وقد اختير الإمام الغزالي لبطولتها بالذات لتبوئه يومئذ أسمى مكانة من العلم والدين والورع في العالم الإسلامي، ولشهرته الذائعة في المغرب، وصلاته المعروفة بعاهل المرابطين يوسف بن تاشفين، وتأثيره الشرعي لديه، وتأييده لدولته. ويبدو لون الأسطورة في هذه القصة التاريخية بنوع خاص، فيما تزعمه الرواية من أن الإمام الغزالي، حين رؤيته لابن تومرت، شهد من صفاته وشمائله، وتبين فيه من العلامات والآثار، ما يدل على أمره ومستقبله، وأنه كان يقول لجلسائه " لابد لهذا البربري من دولة، أما إنه يثور بالمغرب الأقصى، ويظهر أمره، ويعلو سلطانه، ويتسع ملكه، فإن ذلك ظاهر عليه في صفاته، وباين عنه في شمائله ". ثم تزيد الرواية على ذلك، أن بعض الصحب نقل ذلك إلى ابن تومرت، وأخبره أن ذلك عند الشيخ في كتاب، فلم يزل ابن تومرت يجتهد في خدمة الشيخ ويتقرب إليه، حتى اطلع على الأخبار التي كانت فيه، فلما تحقق من ذلك اعتزم الرحيل إلى المغرب ليتابع قدره، ويبحث عن مصيره (٢).

ولم يقف أمر هذه الأسطورة التي تجمع بين الغزالي وابن تومرت عند هذا الحد، بل لقد كان من آثارها أنه يوجد كتاب منسوب للغزالي عنوانه " سر العالمين، وكشف ما في الدارين " أو بعنوان أقصر " السر المكنون " وقد جاء في


(١) الحلل الموشية ص ٧٦ و ٣٧٧ والبيان المغرب (الأوراق المخطوطة السابق ذكرها - هسبيرس ص ٧٦).
(٢) روض القرطاس ص ١١٠ و ١١١.

<<  <  ج: ص:  >  >>