للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الجانبين، وعاد الجند الصليبيون إلى سفنهم، فسارت بهم نحو الجنوب، وتقدم في نفس الوقت إلى هذه المياه أسطول صليبي آخر من انجلترا وبلاد الفلاندر، ودفعته الأنواء والعواصف الجامحة نحو مياه أشبونة، ثم انضمت إليه السفن القادمة من مياه جليقية، فاجتمع بذلك في مياه أشبونة عدد ضخم من السفن الصليبية، تحمل ألوفاً عديدة من المقاتلة، فتلقاهم سانشو ملك البرتغال بترحاب، وألفي في مقدمهم فرصة طيبة للاستعانة بهم في غزو القواعد الإسلامية الجنوبية، وتفاهم مع الرؤساء والقادة الصليبيين على تسيير حملة قوية مشتركة إلى مدينة شلب، لانتزاعها من المسلمين، لأنهم يتخذونها بالأخص قاعدة للخروج إلى شواطىء المحيط يغزونها، وينهبون ثغورها، ويأسرون كثيراً من النصارى (١)، فاستجاب إليه الصليبيون، بما أذكى أطماعهم من إحراز الغنائم والثروات من أراضي المسلمين.

وكانت شلب، في ذلك الوقت، بعد باجة ويابرة، أمنع قواعد ولاية الغرب الأندلسية، وأوفرها عمراناً وثراء، وهي تقع في أقصى جنوب البرتغال، على مقربة من المحيط، فوق ربوة متدرجة تشرف على نهر دراد الذي يصب في المحيط جنوباً قرب ثغر بورتماو الصغير، ومن حولها بسائط خضراء، تكثر فيها غابات الزيتون، والحدائق والحقول اليانعة، وإليك كيف يصفها لنا الشريف الإدريسي، وقد زارها قبل ذلك بنحو نصف قرن:

" ومدينة شلب حسنة في بسيط من الأرض وعليها سور حصين، ولها غلات وجنات. وشرب أهلها من واديها الجاري إليها من جهة جنوبها وعليه أرحاء البلد، والبحر منها في الغرب على ثلاثة أميال، ولها مرسى في الوادي وبها الإنشاء، والعود بجبالها كثير، يحمل منها إلى كل الجهات. والمدينة في ذاتها حسنة الهيئة بديعة المباني مرتبة الأسواق، وأهلها سكان قراها من عرب اليمن وغيرها، وكلامهم بالعربية الصريحة، ويقولون الشعر، وهم فصحاء نبلاء خاصتهم وعامتهم " (٢).

تلك هي شلب الإسلامية التي أزمع سانشو ملك البرتغال وحلفاؤه الصليبيون


(١) البيان المغرب القسم الثالث ص ١٧٥، وأشباخ في تاريخ المرابطين والموحدين، الترجمة العربية، الطبعة الثانية، ص ٣٢٩ و ٣٣٠، وراجع أيضاً:
Huici Miranda: Imperio Almohade, cit. Las Cronicas dos Sete Reis de Portugal p. ٣٤٢
(٢) الإدريسي في وصف المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس (ص ١٧٩ و ١٨٠)، ونقله صاحب الروض المعطار (صفة جزيرة الأندلس) ص ١٠٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>