للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الدعوة يتردد قوياً في العاصمة الأندلسية، ويبث القسس تحريضهم ودعايتهم المسمومة، مثلما كانوا يفعلون أيام عبد الرحمن بن الحكم (١). وكان محمد يرقب هذه الفتنة حذراً من عواقبها، وعواقب تمرد المدينة الثائرة، ومن ثم فقد لبث متأهباً لمقارعتها، وشحن قلعة رباح وطلبيرة على مقربة منها بالجند والعدد.

وسير الأمير محمد كذلك الصوائف والحملات الغازية إلى الثغر الأعلى. ففي سنة ٢٣٩ هـ (٨٥٣ م) سير جيشاً بقيادة موسى بن موسى بن قسيّ والي تطيلة إلى ألبة والقلاع. وكان موسى أيام الأمير عبد الرحمن، من زعماء الثورة في الشمال، وتحالف مع النصارى حسبما تقدم، وقاتله عبد الرحمن حتى تمكن من إخضاعه. ولكنه عاد في أواخر عهده إلى سابق مكانته من زعامة الثغر الأعلى، واستطاع أن يوطد استقلاله في تطيلة وما جاورها، مع التظاهر في نفس الوقت بالولاء لحكومة قرطبة، اتقاء لخصومتها. فسار إلى ألبة والقلاع وعاث فيها، وهزم النصارى في عدة مواقع، وافتتح بعض الحصون، ثم عاد بعد ذلك فاتجه صوب ثغر برشلونة، وانتزع بعض حصونه من أيدي النصارى، وتضع بعض الروايات تاريخ هذه الغزوة في سنة ٢٤٢ هـ (٨٥٦ م). بيد أنه يبدو من أقوال الرازي أنها وقعت قبل سنة ٢٤١ هـ (٢).

وفي صيف سنة ٢٤١هـ (٨٥٥ م) سار محمد بنفسه إلى ألبة والقلاع، وقد كتب إلى موسى بن موسى وأهل الثغور بالاحتشاد والسير في حملته، فعاث في بسائط ألبة والقلاع، وافتتح كثيراً من حصون النصارى. وفي العام التالي بعث موسى بن موسى إلى أحواز برشلونة، فغزاها وخرب برشلونة وافتتح بعض حصونها، وأسر بعض أمرائها (٣).

بيد أن اهتمام الأمير لبث في الوقت نفسه بالأخص موجهاً إلى طليطلة، فبعث ولده المنذر إلى المدينة الثائرة في قوة كبيرة فحاصرتها وعاثت في أحوازها (٢٤٢هـ)، ولم يجرأ الثوار هذه المرة على مغادرة مدينتهم. ولكنهم خرجوا في العام التالي إلى طلبيرة لمقاتلة الحامية الأندلسية بها، فخرج إليهم قائدها مسعود بن عبد الله،


(١) يفيض دوزي في شرح أدوار هذه الفتنة الدينية وأعمال دعاتها: Dozy: Hist;V.I.p. ٣٥٦-٣٦٢
(٢) مخطوط القرويين لوحة ٢٦١ ب.
(٣) البيان المغرب ج ٢ ص ٩٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>